(المهمة لم تنتهِ بعد)
تحول الحرب الأمريكية – الإيرانية إلى صراع استنزاف مفتوح
الفريق الركن صباح نوري العجيلي
يدخل الصراع الأمريكي – الإيراني مرحلة شديدة التعقيد والخطورة، بعدما تحولت المواجهة من حرب سريعة كانت واشنطن وتل أبيب تراهنان على حسمها خلال فترة قصيرة، إلى صراع استنزاف مفتوح متعدد الجبهات والأدوات. فالحرب، من الناحية العملية، لم تنتهِ حتى مع تراجع حدة الضربات المباشرة، لأن أسبابها الجوهرية ما تزال قائمة، وفي مقدمتها الملف النووي والصاروخي الإيراني، والنفوذ الإقليمي لطهران، وأمن إسرائيل، والسيطرة على الممرات البحرية والطاقة في الخليج العربي.
ورغم الحديث عن وقف لإطلاق النار، فإن الواقع الميداني يشير إلى أن هذا الوقف هش ومؤقت، ويمكن أن ينهار في أي لحظة نتيجة ضربة عسكرية، أو عملية اغتيال، أو هجوم صاروخي او بحري. لذلك تبدو المنطقة وكأنها تعيش حالة “تعليق حرب” أكثر من كونها تعيش سلاماً مستقراً أو تسوية دائمة.
مضيق هرمز: سلاح الضغط الاستراتيجي؛
لم يعد إغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه مجرد احتمال عسكري، بل تحول إلى أداة ضغط اقتصادية وسياسية تستخدمها إيران في مواجهة الولايات المتحدة والدول الغربية، مستفيدة من الموقع الجغرافي الحساس للمضيق الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة العالمية.
اقتصادياً، دخلت أسواق الطاقة العالمية مرحلة اضطراب وعدم يقين نتيجة استمرار التهديدات الأمنية في الخليج العربي، ولا سيما في مضيق هرمز الذي تحول إلى أهم ورقة ضغط استراتيجية بيد إيران. فقد نجحت طهران في إثبات قدرتها على تهديد الملاحة البحرية والتأثير على حركة ناقلات النفط والسفن التجارية، الأمر الذي انعكس مباشرة على أسعار النفط والتأمين البحري وكلفة النقل العالمي.
في المقابل، واجهت الولايات المتحدة صعوبات متزايدة في تنفيذ مشروع “حرية الملاحة” الذي كانت تسعى من خلاله إلى تأمين حركة السفن في الخليج. فقد أظهرت التطورات أن القوة البحرية الأمريكية، رغم تفوقها العسكري، غير قادرة على توفير حماية كاملة للممرات البحرية في ظل تصاعد تهديدات المسيّرات والزوارق السريعة والصواريخ البحرية منخفضة الكلفة وعالية التأثير.
كما أن التردد الأوروبي في تشكيل قوة بحرية دولية واسعة لحماية الملاحة يعكس مخاوف حقيقية من الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إيران قد تؤدي إلى حرب إقليمية شاملة يصعب احتواؤها.
الإرباك الأمريكي وتعقيدات إنهاء الحرب:
سياسياً، تعيش الإدارة الأمريكية حالة من الإرباك الواضح نتيجة تضارب التصريحات بين الرئيس الأمريكي وكبار المسؤولين حول أهداف الحرب ونتائجها. ففي الوقت الذي تؤكد فيه واشنطن أنها نجحت في توجيه ضربات قاسية لإيران، تشير الوقائع إلى أن طهران ما تزال تحتفظ بجزء مهم من قدراتها العسكرية والصاروخية، إضافة إلى استمرار نفوذها الإقليمي وشبكة حلفائها في المنطقة.
ولهذا بدأ الحديث داخل دوائر القرار الأمريكي عن “كيفية إنهاء المهمة” دون الانزلاق إلى حرب طويلة تستنزف الولايات المتحدة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الأمريكية وتصاعد الضغوط الداخلية الرافضة للتورط بحرب جديدة في الشرق الأوسط.
إيران ومحاولة إظهار التماسك:
أما إيران، فعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي تعرضت لها، سواء في البنية العسكرية أو بين صفوف القيادات السياسية والعسكرية، فإنها تحاول إظهار تماسكها الداخلي من خلال استمرار نشاط القيادة السياسية والعسكرية، والإعلان عن عقد اجتماعات ولقاءات مع قادة الجيش والحرس الثوري، والتأكيد على مواصلة “التصدي للعدوان” ورفع مستوى الجهوزية العسكرية.
وتدرك طهران أن الحفاظ على تماسك القيادة السياسية والعسكرية يمثل عاملاً أساسياً في منع أي انهيار داخلي أو محاولات لإضعاف النظام من الداخل، خصوصاً في ظل الضغوط العسكرية والاقتصادية والنفسية المتزايدة.
غياب الحسم واستمرار الجبهات المشتعلة:
في الميدان، يواصل الطرفان إعلان تحقيق النصر وإلحاق الهزيمة بالآخر، إلا أن طبيعة الحرب الحالية تشير بوضوح إلى غياب الحسم الحقيقي. فإسرائيل، رغم تفوقها الجوي والاستخباري، ما تزال تواصل عمليات القصف والاغتيال في جنوب لبنان حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار، فيما يواصل حزب الله الرد ضمن قواعد اشتباك متغيرة، ما يبقي الجبهة اللبنانية قابلة للاشتعال في أي لحظة.
كما أن الحرب الحالية أفرزت اتساع نطاق ما يُعرف بـ”الحرب الرمادية” أو الحرب غير المباشرة، التي تعتمد على الطائرات المسيّرة والصواريخ والهجمات منخفضة الكلفة وعالية التأثير. وقد شهدت المرحلة الأخيرة هجمات بمسيّرات وصواريخ مجهولة المصدر استهدفت الإمارات، فيما تعرضت الكويت لهجمات بمسيّرات انطلقت من الأراضي العراقية، الأمر الذي يعكس انتقال الصراع إلى مرحلة أمن إقليمي مفتوح يصعب ضبطه أو احتواؤه.
حرب متعددة الأبعاد:
وفي ضوء كل ذلك، تبدو المنطقة أمام مرحلة طويلة من الاستنزاف والتوتر وعدم الاستقرار، حيث لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى صراع شامل يجمع بين الحرب الاقتصادية والنفسية والإعلامية، والأمن البحري، والهجمات السيبرانية، وحروب الوكلاء، والعمليات الاستخبارية.
ولذلك فإن “المهمة” بالنسبة لجميع الأطراف لم تنتهِ بعد، بل دخلت مرحلة أكثر خطورة وغموضاً قد تعيد رسم التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط لسنوات طويلة قادمة.
وبذلك، لم تعد المواجهة الأمريكية – الإيرانية حرباً عابرة مرتبطة بضربة عسكرية أو حدث ميداني محدد، بل أصبحت صراعاً مفتوحاً على النفوذ والتوازنات والطاقة وأمن الممرات البحرية، وهو صراع مرشح للاستمرار بأشكال متعددة حتى في فترات الهدوء الظاهري، ما يجعل الشرق الأوسط أمام مرحلة طويلة من الاستنزاف وعدم اليقين وإعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية.













