"هل انتهى النظام الدولي؟ العالم بين أفول النظام الليبرالي وعودة عصر القوى العظمى"
بقلم : د. فالح الشبلي
تشير تصريحات قادة ومسؤولين غربيين وتقارير دولية إلى أن النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية يمر بمرحلة تحول عميقة. فقد أكد المستشار الألماني خلال مؤتمر ميونيخ للأمن أن العالم دخل فعليًّا مرحلة جديدة عنوانها عودة التنافس بين القوى العظمى، وقد صرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن "العالم القديم انتهى" وأن النظام الدولي يشهد تحولات جيوسياسية جوهرية.
كما حذر تقرير مؤتمر ميونيخ للأمن من أن النظام العالمي الذي تأسس بعد عام ❪١٩٤٥❫ يواجه خطر التآكل والانهيار؛ نتيجة تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى وتراجع الالتزام بالقواعد والمؤسسات الدولية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود.
وفي السياق ذاته، يرى المستثمر والمفكر الاقتصادي "راي داليو": أن العالم يقف على أعتاب نظام دولي جديد لم تُحدد قواعده بعد، مشيرًا إلى أن التحولات الكبرى في التاريخ تسبقها عادة صراعات اقتصادية ومالية وتكنولوجية قبل أن تتحول إلى مواجهات سياسية أو عسكرية. ويعتبر التنافس الأمريكي الصيني ـ ولا سيما حول تايوان ـ ممثلًا أخطر بؤرة توتر في العالم حاليًا؛ نظرًا لما قد يترتب عليه من خسائر اقتصادية هائلة قد تصل إلى تريليونات الدولارات وإعادة تشكيل موازين القوى الدولية. وعليه، فإن العالم اليوم يواجه سؤالًا مصيريًّا: هل تنجح القوى الكبرى في التوصل إلى تسوية عقلانية تنظم انتقال النظام الدولي إلى مرحلة جديدة، أم أن البشرية تتجه نحو صراع واسع يعيد هندسة النظام العالمي بالقوة كما حدث في محطات تاريخية سابقة؟
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
▪ لا يبدو أن العالم يشهد انهيارًا كاملًا للنظام الدولي الذي تأسس بعد عام ❪١٩٤٥❫ بقدر ما يشهد مرحلة انتقالية تاريخية تعيد توزيع القوة والنفوذ بين الدول الكبرى. فالصعود الصيني، وعودة روسيا، وتراجع القدرة الغربية على فرض رؤيتها منفردة، كلها مؤشرات على نهاية مرحلة الهيمنة الأحادية وبداية عصر التنافس بين القوى الكبرى.
جوهر الصراع الحالي لا يتمحور حول النفوذ فقط، بل حول من يملك حق صياغة قواعد النظام العالمي المقبل.
وفي هذا السياق، يمثل التنافس الأمريكي ـ الصيني، ولا سيما حول تايوان، أخطر تحدًّ للاستقرار الدولي؛ نظراً لتداعياته السياسية والعسكرية والاقتصادية العالمية.
ومع أن احتمالات التصعيد قائمة، فإن تشابك المصالح الاقتصادية وارتفاع كلفة الحرب يدفعان القوى الكبرى إلى تفضيل المنافسة الاستراتيجية طويلة الأمد على المواجهة المباشرة. لذلك فإن الأحداث الأكثر ترجيحًا تتمثل في استمرار التنافس الحاد ضمن نظام دولي جديد لم تتضح ملامحه النهائية بعد.
ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح القوى الكبرى في إدارة هذا التحول عبر التفاهم والتوازنات الجديدة، أم أن العالم يتجه نحو صراع واسع يعيد رسم خريطته السياسية بالقوة؟












