الكاتب والباحث
د.حسن السراي
أبدأ مقالتي بهذه الواقعة التاريخية (عندما حضر الليبيون سنة 1949م للأمم المتحدة وطلبوا الإستقلال قال لهم الرئيس الفرنسي “فانسان أوريول” أنتم رعاع لا تستحقون الأستقلال ، فرد عليه الشيخ عبد الحميد عبار نحن حاربنا الأمبراطورية الإيطالية 20 عاما وأنتم إحتلكم هتلر في ثلاثة أيام فمن منا يستحق الأستقلال؟ فصمت الرئيس الفرنسي خجلا ولم ينطق بكلمة واحدة). الشعوب الحية لا تموت ، ربما تمرض ولكنها تتعافى ، ربما تتعثر وتسقط ولكنها تنهض وتعود أقوى عودا وصلابة. العراق أحد هذه الشعوب الحية وحسب ما يرى المؤرخون أنه من أكثر البلدان على وجه الأرض تعرضا للعدوان والهجمات والغزو والأذى بمختلف العصور ومن قبل مختلف الأقوام ، كل ذلك حصل لأن العراق غني بأمور قل نظيرها في البلدان الأخرى مثل ثرواته الطبيعية وخيراته ومنتجاته وموقعه الإستراتيجي الذي يوصف بأنه عقدة مواصلات الشرق والغرب ، أضف لذلك عمقه التاريخي وتعدد دياناته وكونه الرابط الأساس لتواصل ثقافات وديانات الشرق والغرب. حدثت على هذه الأرض أعظم وأقسى المعارك والحروب ، وكانت أرضه مهبطا ومسقطا لرؤوس أغلب الرسل والأنبياء ، ومن العراق إنطلقت معظم الدعوات للخير والمحبة والإنسانية ، وكان العراق من أكثر بلدان الأرض تطورا وتحضرا حيث انه أول بلد علم البشر القراءة والكتابة ، وشرعت فيه أول القوانين والأنظمة ، وفيه جاءت للوجود الكثير من المخترعات كأستخدام العجلة والجنائن المعلقة وغير ذلك . وقد دافع العراقيون عن أرضهم وخيراتهم وممتلكاتهم ضد الغزاة والطامعين وقدموا التضحيات الجسام من البشر والبنى التحتية ومن منجزاتهم وأملاكهم وثرواتهم الزراعية والحيوانية والصناعية والعمرانية والتراثية ، وكانت تضحيات الدم هي الأعظم والأكبر ومشهود لأبناء العراق بهذه التضحيات وإسترخاص دمائهم وأعز ممتلكاتهم من أجل ما هو ثمين ، وهو تراب الوطن وحمايته وحماية خيراته وموارده وحضارته وتراثه. ولولا تلك الأطماع والغزوات والهجمات والملاحم والتصدي لمختلف الأقوام ، وما يقابلها من روح جهادية وتضحيات جسيمة للعراقيين والخسائر التي حلت بهم ، أقول لولا ذلك لأصبح تعداد نفوس العراق اليوم مئات الملايين وليس كما هو الآن بحدود الـ36 مليون نسمة . العبرة هنا لماذا غادر الدنيا شباب العراق ومنذ عصور ما قبل الميلاد من بابليين وآشوريين وكلدانيين وسومريين وأكديين وعرب وكرد وتركمان وغيرهم ، مسلمين ومسيحيين وصابئة وآيزديين وحتى يهود وغيرهم وحتى يومنا هذا؟؟ الجواب معروف للجميع وهو بسبب حبهم لتراب وطنهم والدفاع عنه وعن كرامتهم فإسترخصوا تلك الأرواح الطاهرة في سبيله . بلا مبالغة ولا تعصب ولا تعنصر وبدون أن نبخس أول نقلل من شأن وقيمة الآخرين نقولها وبكل ثقة وصدق وبكل فخر أن العراقي هو من أفضل ما خلق الله في الكون ، أفضل بكل شيء ، بالقيم الإنسانية النبيلة ، والأخلاق ، والإيمان والأمانة ، والشرف ، والكرم ، والشهامة ، والغيرة والنخوة ، والتضحية بالنفس من أجل المقدس والغالي والكرامة كالوطن ، وبمجمل العادات والتقاليد الإجتماعية ، وغير ذلك والتاريخ والماضي والحاضر يزخر بالكثير الكثير مما ذكرت ويفوق حدود الخيال والتصور . مع كل ذلك نقول وبكل صراحة وإنصاف ولا ننكر وجود قلة من السيئيين في المجتمع العراقي وعلى مر التاريخ منذ 7000 سنة حتى اليوم ، يحملون أسوأ السوء ، وأخس الصفات ، وأقبح النفوس ، ومن المؤكد أنهم شوهوا الصورة الناصعة للغالبية العظمى من العراقيين وهذا شيء طبيعي يحصل في كل المجـــــــتمعات والشعوب ، حيث هناك الصالح والطالح وهذه طبيعة البشر منذ حادثة قابيل وهابيل . ولكن وهذه دعوة لكل شريف ولكل محب للعراق وترابه ولكل من يحب شرف أمه وأخته وزوجته أن يعمل على عدم السماح للفئة القليلة المسيئة والأشرار أن تزداد على حساب الشرفاء الأخيار فإن تمكن من إصلاحهم فهذا كل الخير وإن لم يتمكن فعليه أن لا يدعهم أن يتمكنوا ويزدادوا ويصبح لهم شأن في الصعود والبروز بالمشهد لا سمح الله لأن ذلك يعني الأكل من جرف الأخيار والوطنيين والشرفاء وبالتأكيد سينتكس العراق . وللتذكير أيضا أن عملية بناء الإنسان تسبق بناء الأوطان حيث باخلاق الأخيار تعمر وتبنى الأوطان وقال الشاعر :
وليس بعامر بنيان قوم
إذا أخلاقهم كانت خرابا
عودة لمقدمة المقال حيث أن كلمات الشيخ الليبي رحمه الله ألجمت فم الرئيس الفرنسي وأخرسته ، فياترى ما هو وقع كلام أي عراقي شريف على أسماع المتغطرسين والمتعالين والذين ينظرون للعراق نظرة دونية؟؟!! . سادتي الكرام صدقوني لو أن كل عراقي شريف تسلح بمعرفة تاريخ أهله وأجداده وأسلافه وتحلى بمكارمهم ومآثرهم لم ولن يتطاول أحد على قامة العراق الشامخة لا من الأنكلوسكسون ولا من الأفرنج ولا من الأتراك ولا من الفرس وخاصة عندما يفهمون أنهم أمام سيد من سادة الكون ولا يمكن أن يستصغرون أو يقللون من شأن العراق وأهله . أكرر لسنا بالمطلق أفضل مما في الأرض ولكن مزايانا هي الأفضل وعليه يجب أن نرتقي بها وندافع عنها لنعيش ونبقى كذلك ونتعامل مع الغير بكل تواضع دون أي غرور أو تعالي.
وليعلم الجميع وربطا بالمقدمة أن ابناء العراق قاتلوا كل أقوام الدنيا ودافعوا عن تراب وطنهم وعن كرامتهم وضحوا بدماء زكية طاهرة بأنهار دماء سالت على مذبح الحـــــرية والكرامة منذ آلاف السنين ولم ولن ينثني أو يتلاشى العراق . نتمنى أن يسمعها ويعيها الجميع محبين ومبغضين لكي لا يتطاولوا وليعرفوا جيدا عظيم الشأن ” العراق “.













