"حين تتحول التسوية إلى إعادة إنتاج للأزمة"
د . فالح الشبلي
في تاريخ الدول، لا تنشأ الأخطار الكبرى دائمًا من الحروب أو الانهيارات المفاجئة، بل كثيرًا ما تتسلل عبر قرارات تبدو في ظاهرها تسويات سياسية، بينما تخفي في جوهرها تحولات بنيوية تمس طبيعة الدولة نفسها.
ومن هذا المنظور، يبرز مشروع دمج الفصائل المسلحة الموالية لإيران داخل المؤسسات العسكرية والأمنية بوصفه من أكثر الملفات حساسية وخطورة على مستقبل الدولة العراقية. فالقضية لا تتعلق بإعادة تنظيم قوى مسلحة أو معالجة أوضاع قائمة، وإنما بإعادة رسم الحدود الفاصلة بين الدولة ومراكز النفوذ التي نشأت خارج إطارها.
إن منح هذه التشكيلات غطاءً قانونيًّا، وصفةً مؤسسية لا يعني فقط إدخال أفراد أو وحدات إلى الجيش أو الشرطة، بل يفتح الباب أمام انتقال شبكات النفوذ والولاءات والتوازنات الموازية إلى صلب مؤسسات الدولة السيادية. وهنا يكمن جوهر المعضلة؛ إذ يصبح التحدي متعلقًا بطبيعة المؤسسة نفسها، لا بعدد المنتسبين إليها.
والأخطر من ذلك أن الشرعية التي يوفرها الدمج قد تتحول بمرور الوقت إلى حصانة سياسية وإدارية تحول دون المساءلة أو المحاسبة، وهذا يؤدي إلى تكريس واقع جديد تصبح فيه الدولة مطالبة بالتعايش مع مراكز قوة تمتلك صفة رسمية دون أن تكون مندمجة فعليًّا في منطق الدولة الوطنية أو خاضعة كلها لأولوياتها.
إن التجارب المقارنة في عدد من الدول تشير إلى أن إدماج الجماعات المسلحة لا يقود بالضرورة إلى بناء الاستقرار، بل قد ينتج بنية هجينة تتعايش فيها المؤسسات الرسمية مع ولاءات متشابكة ومصالح متنافسة، الأمر الذي يضعف وحدة القرار ويقوض احتكار الدولة المشروع للقوة.
لهذا فإن النظر إلى هذا الملف ينبغي أن يتجاوز الحسابات السياسية الآنية أو التفاهمات المرحلية. فالمسألة في جوهرها تتعلق بالسؤال الذي سيحدد شكل العراق لعقود مقبلة: هل تتجه الدولة نحو ترسيخ مؤسساتها الوطنية المستقلة؟ أم نحو إضفاء الشرعية على واقع تعدد مراكز القوة داخل بنيتها الرسمية؟
إن المسؤولية الوطنية تقتضي التعامل مع هذا المشروع باعتباره قضية استراتيجية تمس مستقبل النظام السياسي والأمني برمته، والعمل على عرض مخاطره وتداعياته أمام مختلف دوائر القرار المحلية والدولية؛ لأن بعض القرارات لا تظهر آثارها في الحال، لكنها ترسم ملامح الدولة التي ستنشأ في المستقبل.
فالدول لا تُختبر فقط في قدرتها على مواجهة التهديدات الخارجية، بل في قدرتها على منع انتقال الأزمات إلى داخل مؤسساتها السيادية تحت عناوين التسوية أو الاحتواء أو إعادة الدمج. وما يبدو اليوم حلًّا مؤقتًا قد يتحول غدًا إلى معضلة هيكلية يصعب تفكيكها أو التراجع عنها.













