اللواء الركن ضرغام زهير الخفاجي
كاتب وباحث في قضايا الأمن الإقليمي
خبير في شؤون الدفاع والتدريب والعلاقات الدولية
المقدمة
قد يترجل الفارس عن جواده وقد يخلع المقاتل بزته العسكرية عند انتهاء سنوات خدمته لكن لا يمكن أن يُنتزع من قلبه حب الوطن ولا أن تُسلب منه روح الجندية التي صاغتها سنوات الواجب والتضحية. فالمقاتل قد يشيخ جسدًا غير أن روحه تبقى متقدة بالعزيمة تستحضر أصوات المدافع و أزيز الرصاص وذكريات الميدان وتظل مستعدة لتلبية نداء الوطن متى ما استدعى الواجب.
وفي الدول التي تدرك المعنى الحقيقي للسيادة وتحترم تضحيات أبنائها لا يُقاس الولاء بالمنصب الذي يشغله الفرد ولا بعدد سنوات خدمته الفعلية بل بما قدمه من عطاء وما تركه من أثر في حماية الوطن وصون أمنه. ومن هذا المنطلق فإن المقاتل لا يتقاعد عن الشرف ولا تنتهي رسالته الوطنية بانتهاء خدمته العسكرية بل ينتقل من موقع الأداء المباشر إلى موقع الخبرة والقدوة والذاكرة الوطنية.
إن الضابط وضابط الصف المتقاعد ليسا جزءًا من الماضي يُطوى مع مرور الزمن بل يمثلان ركيزة مؤسسية وتاريخية تسهم في بناء الحاضر واستشراف المستقبل. كما يشكلان مخزونًا استراتيجيًا من الخبرة والمعرفة والانضباط ومؤشرًا حقيقيًا على مستوى وفاء الدولة لمؤسستها العسكرية وللرجال الذين أفنوا أعمارهم في خدمتها والدفاع عنها.
أولًا: المتقاعد العسكري... ذاكرة الدولة الحية
يشكل الضباط وضباط الصف المتقاعدون رصيدًا معنويًا وتاريخيًا عالي القيمة لأي دولة تمتلك تقاليد عسكرية أصيلة و محترمة. هؤلاء هم من وقفوا بين الوطن والانهيار وحملوا الدولة على أكتافهم في أحلك الظروف وأقساها وضحوا بالغالي والنفيس ودفعوا من أعمارهم وصحتهم وسعادتهم وعوائلهم ثمن الاستقرار والسيادة.
لولا تراكم تضحياتهم لما تشكّلت الحكومات ولا استقرت الحدود ولا كُتب للتاريخ أن يدوّن أسماء الدول بكرامة.
ثانيًا: احترام المتقاعد ... مبدأ سيادي لا مجاملة اجتماعية
إن احترام المتقاعدين العسكريين ليس سلوكًا بروتوكوليًا أو لفتة أخلاقية عابرة بل مبدأ سيادي يعكس عمق ثقافة الدولة ونضجها المؤسسي. الدول العظيمة لا تنسى جنودها بعد انتهاء خدمتهم بل تجعل منهم مرجعًا و منارا للعلم و الخبرة وقدوة للأجيال.
أما إهمال المتقاعد أو تهميشه فهو رسالة خطيرة لكل من يرتدي الزي اليوم:
أن الدولة تتخلى عن أبنائها عند أول منعطف.
ثالثاً: الأبعاد الأمنية والاجتماعية لرعاية المتقاعدين العسكريين
ترتبط أوضاع المتقاعدين العسكريين بجملة من الاعتبارات الأمنية والاجتماعية من أهمها:
• المحافظة على الخبرات الوطنية المتراكمة وعدم فقدانها بعد انتهاء الخدمة.
• تعزيز الروابط بين الأجيال العسكرية المختلفة.
• دعم الاستقرار الاجتماعي والنفسي للمتقاعدين وعائلاتهم.
• تعزيز صورة القوات المسلحة في المجتمع.
• توفير قاعدة بشرية مؤهلة يمكن الاستفادة منها عند الطوارئ والأزمات الوطنية.
ومن هذا المنطلق فإن الاستثمار في المتقاعدين العسكريين يعد جزءاً من الاستثمار في الأمن الوطني الشامل.
رابعًا: كرامة المتقاعد = ثقة الجندي بالدولة
حين تُصان كرامة المتقاعد تُبنى الثقة بين الجندي والدولة وتتعزز روح التضحية والانتماء لدى الأجيال اللاحقة. وحين يُهان المتقاعد أو يُترك للنسيان فإن الضرر يتجاوز الشخص ليصيب صورة الدولة نفسها ومكانة مؤسستها العسكرية.
المقاتل المتقاعد يظل مقاتلًا حتى الفناء يحمل وطنه في ذاكرته ويستدعي الانضباط في سلوكه ويقف تلقائيًا في صف الدولة كلما اهتز الميزان.
المقترحات
أولًا: الإطار القانوني والمؤسسي (الأولوية الاستراتيجية العليا)
يمثل الإطار القانوني والمؤسسي الأساس الذي تُبنى عليه منظومة رعاية المتقاعدين العسكريين إذ لا يمكن تحقيق حماية فعالة ومستدامة لحقوقهم دون وجود تشريعات واضحة ومؤسسات متخصصة تمتلك الصلاحيات والموارد اللازمة لتنفيذ تلك التشريعات.
ومن أجل بناء منظومة متكاملة لرعاية المتقاعدين العسكريين يُقترح ما يأتي:
١. إصدار قانون شامل للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدامى يتضمن تنظيم الحقوق المادية والمعنوية والصحية والاجتماعية للمتقاعدين العسكريين ويكفل حمايتهم من التمييز أو الإهمال مع تحديد آليات واضحة لمتابعة حقوقهم وضمان استدامتها. وتستند هذه المقاربة إلى تجارب ناجحة معمول بها في عدد من الدول المتقدمة مثل فرنسا وألمانيا وكندا.
٢. تطوير مؤسسة التقاعد العسكري والتحول الرقمي الكامل إعادة هيكلة دائرة التقاعد العسكري وتحويلها إلى مؤسسة خدمية حديثة تعتمد الأنظمة الإلكترونية المتكاملة في إنجاز المعاملات بما يضمن تقليص الإجراءات الروتينية واختصار زمن إنجاز المعاملات التقاعدية وتقليل الحاجة إلى المراجعات الشخصية المتكررة وصولًا إلى إنجاز المعاملة وتسليم مستحقاتها ووثائقها إلى المتقاعد بأقل جهد ممكن.
٣. إنشاء هيئة وطنية لشؤون المحاربين القدامى والمتقاعدين العسكريين تتولى هذه الهيئة رسم السياسات الخاصة بالمتقاعدين العسكريين والإشراف على تنفيذها وتنسيق الجهود بين الوزارات والمؤسسات الحكومية ذات العلاقة فضلاً عن متابعة أوضاع المحاربين القدامى وأسرهم وتقديم الخدمات اللازمة لهم. ويمكن الاستفادة في هذا المجال من النماذج المعمول بها في الولايات المتحدة وبريطانيا من خلال مؤسسات شؤون المحاربين القدامى التي تعد جزءًا أساسياً من منظومة الأمن الوطني والرعاية الاجتماعية.
ثانيًا: الكرامة المعنوية والاعتراف المؤسسي
لا تقتصر رعاية المتقاعدين العسكريين على الجوانب المادية والخدمية فحسب بل تشمل أيضًا المحافظة على مكانتهم المعنوية والاجتماعية بوصفهم جزءًا من تاريخ المؤسسة العسكرية ورموزًا وطنية ساهمت في حماية الدولة وصون سيادتها. وتؤكد التجارب الدولية أن الاعتراف الرسمي بالمحاربين القدامى يسهم في تعزيز الانتماء الوطني وترسيخ ثقافة الوفاء داخل القوات المسلحة.
ولتحقيق هذا الهدف يُقترح ما يأتي:
١. اعتماد هوية رسمية ذات قيمة وطنية ومعنوية للمتقاعد العسكري تتضمن الرتبة العسكرية وسنوات الخدمة والاستحقاقات الخاصة بما يسهم في تسهيل المعاملات الرسمية ويعزز مكانة المتقاعد واحترامه داخل المجتمع.
٢. استحداث زي مدني رسمي للمحاربين القدامى يتكون من لباس مدني اختياري يحمل شارات أو رموزًا تعريفية تعكس الصفة العسكرية السابقة للمتقاعد ويُستخدم في المناسبات الوطنية والعسكرية والرسمية على غرار ما هو معمول به في عدد من الدول ذات التقاليد العسكرية الراسخة.
٣. تعزيز الحضور الرسمي للمتقاعدين العسكريين ذوي المناصب العليا من خلال دعوتهم للمشاركة في الاحتفالات الوطنية والعسكرية والمناسبات الرسمية ومراسم التخرج والاستعراضات العسكرية بما يرسخ مكانتهم بوصفهم جزءًا من الإرث المؤسسي للقوات المسلحة ومصدرًا للإلهام والخبرة للأجيال اللاحقة.
ثالثًا: الرعاية الصحية والاجتماعية
تُعد الرعاية الصحية والاجتماعية أحد أهم أركان منظومة دعم المتقاعدين العسكريين نظرًا لما قد يترتب على سنوات الخدمة العسكرية من أعباء صحية ونفسية واجتماعية متراكمة. كما أن توفير الرعاية المناسبة للمتقاعد وأسرته يعكس التزام الدولة بمسؤولياتها تجاه من خدموا في صفوف قواتها المسلحة.
وفي هذا الإطار يُقترح ما يأتي:
١. توفير نظام ضمان صحي شامل يشمل المتقاعد العسكري وزوجته وأفراد أسرته وفق ضوابط محددة مع تغطية الأمراض المزمنة والعلاجات طويلة الأمد والخدمات الطبية التخصصية وبناء مستشفيات خاصة أسوة بالأنظمة المعتمدة في العديد من الجيوش المتقدمة.
٢. تقديم تسهيلات خدمية في المؤسسات الحكومية من خلال تخصيص مسارات أو مكاتب خدمة خاصة للمتقاعدين العسكريين بما يضمن سرعة إنجاز معاملاتهم ويعكس التقدير الرسمي لخدمتهم الوطنية.
٣. إنشاء مراكز ونوادٍ خاصة بالمتقاعدين العسكريين مقابل اشتراك مادي مدعوم تُعنى بالأنشطة الاجتماعية والثقافية والترفيهية والرياضية وتسهم في تعزيز الروابط بين المتقاعدين وأسرهم والمحافظة على اندماجهم الفاعل في المجتمع.
٤. توفير برامج دعم للسياحة والعلاج والاستجمام عبر تقديم تسهيلات خاصة للمتقاعدين العسكريين في مجالات السفر والعلاج داخل العراق وخارجه بما يسهم في تحسين نوعية الحياة ويعزز الاستقرار النفسي والاجتماعي لهذه الشريحة المهمة من المجتمع.
رابعًا: الاستقرار المعيشي والسكني
يُعد الاستقرار المعيشي أحد المرتكزات الأساسية للحفاظ على كرامة المتقاعد العسكري وضمان اندماجه الإيجابي في المجتمع بعد انتهاء خدمته. فسنوات الخدمة العسكرية الطويلة وما يرافقها من تنقلات ومتطلبات مهنية خاصة قد تحد من قدرة الكثير من العسكريين على بناء استقرار اقتصادي وسكني مماثل لما يتاح لغيرهم من العاملين في القطاعات المدنية. ومن هنا تبرز مسؤولية الدولة في توفير بيئة معيشية مستقرة تليق بحجم التضحيات التي قدمها العسكري خلال سنوات خدمته.
ولتحقيق هذا الهدف يُقترح ما يأتي:
١. دعم برامج الإسكان العسكري للمتقاعدين من خلال تخصيص قطع أراضٍ سكنية أو وحدات سكنية مدعومة للمتقاعدين الذين لا يمتلكون مساكن مناسبة بما يضمن لهم ولعائلاتهم الاستقرار والأمان الاجتماعي.
٢. تطوير برامج الإسكان الأسري الممتد عبر دراسة إمكانية منح امتيازات سكنية إضافية للمتقاعدين بعد مضي مدة محددة على التقاعد بما يسهم في معالجة التحديات السكنية التي تواجه الأبناء ويعزز الاستقرار الأسري والاجتماعي مع مراعاة الإمكانات الاقتصادية للدولة والضوابط القانونية المنظمة لذلك.
٣. توفير برامج دعم للفئات العمرية المتقدمة من خلال تخصيص خدمات مساندة للمتقاعدين الذين تتطلب أوضاعهم الصحية أو الاجتماعية رعاية إضافية كخدمات المرافق الشخصي أو المساعد المنزلي أو وسائل النقل الخاصة وفق ضوابط طبية واجتماعية دقيقة تضمن توجيه الدعم إلى المستحقين الفعليين.
٤. منح امتيازات خدمية واقتصادية خاصة تشمل تخفيضات في الخدمات العامة والنقل والإسكان والقروض الميسرة بما يسهم في تحسين المستوى المعيشي للمتقاعد العسكري ويعزز شعوره بالأمن الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.
إن توفير الاستقرار المعيشي والسكني للمتقاعد العسكري لا يمثل جانبًا من جوانب الرعاية الاجتماعية فحسب بل يعد استثمارًا في الحفاظ على مكانة المؤسسة العسكرية وتعزيز الثقة بين الدولة ومنتسبيها إذ يشعر العسكري بأن سنوات خدمته وتضحياته ستقابل بالتقدير والرعاية حتى بعد انتهاء خدمته الفعلية.
خامسًا: الحماية القانونية واستثمار الخبرات الوطنية
لا ينبغي النظر إلى المتقاعد العسكري بوصفه فردًا أنهى خدمته الوظيفية بل باعتباره رصيدًا وطنيًا يمتلك خبرات تراكمية واسعة في مجالات القيادة والتخطيط وإدارة الأزمات والتدريب والانضباط المؤسسي. ومن ثم فإن المحافظة على حقوقه والاستفادة من خبراته تمثل جزءًا من منظومة الأمن الوطني والتنمية المؤسسية.
ولتحقيق ذلك يُقترح ما يأتي:
١. إنشاء رابطة أو اتحاد للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدامى يتولى الدفاع عن الحقوق القانونية والاجتماعية للمتقاعدين وتقديم المشورة القانونية لهم وتمثيلهم أمام المحاكم و الجهات الرسمية فضلاً عن تعزيز التواصل والتكافل بين أعضائه.
٢. توفير فرص العمل والاستفادة من الخبرات من خلال استيعاب المتقاعدين العسكريين في مجالات التدريب والاستشارة والدفاع المدني وإدارة الأزمات والحماية المدنية والتعليم العسكري بما يضمن استمرار الاستفادة من خبراتهم المتراكمة ويمنحهم دورًا فاعلًا في خدمة المجتمع.
٣. المشاركة في إعداد الأجيال العسكرية الجديدة عبر إشراك المتقاعدين من أصحاب الخبرة والكفاءة في برامج الإرشاد والتوجيه والتثقيف العسكري داخل الكليات والمعاهد ومراكز التدريب بما يسهم في نقل المعرفة والخبرة المؤسسية المتراكمة إلى الأجيال اللاحقة.
سادسًا: تأسيس مراكز الدراسات والخبرات العسكرية للمحاربين القدامى
تمثل الخبرات المتراكمة للمتقاعدين العسكريين ثروة وطنية لا ينبغي أن تُهمل أو تُترك خارج دائرة الاستفادة المؤسسية. ومن أجل استثمار هذه الطاقات بصورة منظمة يُقترح إنشاء مراكز للدراسات والخبرات العسكرية والاستراتيجية في المحافظات تكون بمثابة حلقة وصل بين الخبرة المتراكمة ومتطلبات الدولة والمجتمع.
وتتولى هذه المراكز المهام الآتية:
١. استيعاب المتقاعدين العسكريين وتنظيم جهودهم من خلال توفير بيئة مؤسسية تجمع أصحاب الخبرات العسكرية المختلفة وتُبقيهم ضمن إطار مهني واجتماعي فاعل.
٢. تقديم المشورة والخبرة للجهات الحكومية عبر إعداد الرؤى والمقترحات والدراسات المتعلقة بالأمن الوطني والدفاع وإدارة الأزمات والتنمية المؤسسية.
٣. إعداد الدراسات والبحوث والتطوير وتشجيع النشاط البحثي والعلمي والاستفادة من الخبرات الميدانية المتراكمة في معالجة المشكلات الأمنية والإدارية والعسكرية.
٤. تحقيق الاستدامة المالية من خلال اعتماد مبدأ الإدارة الذاتية والاشتراكات السنوية للأعضاء إضافة إلى تنفيذ النشاطات البحثية والاستشارية والتدريبية التي تسهم في تمويل أعمال المركز ضمن الأطر القانونية النافذة.
٥. توفير بيئة اجتماعية وثقافية وترفيهية بحيث لا يقتصر دور المركز على الجوانب البحثية والاستشارية فحسب بل يكون أيضًا ملتقى للمتقاعدين العسكريين ومكانًا لتعزيز العلاقات الاجتماعية والثقافية بينهم والمساهمة في تحسين نوعية حياتهم والحفاظ على اندماجهم الإيجابي في المجتمع.
إن تأسيس هذه المراكز من شأنه أن يحول المتقاعدين العسكريين من طاقات غير مستثمرة إلى قوة معرفية واستشارية منظمة تسهم في دعم مؤسسات الدولة وتعزيز الثقافة الاستراتيجية وفي الوقت نفسه توفر إطارًا حضاريًا يحفظ كرامة المتقاعد ويعزز دوره الوطني بعد انتهاء خدمته العسكرية.
الخاتمة
إن الدول لا تُقاس بما ترفعه من شعارات أو ما تعلنه من خطابات بل بما تجسده فعليًا من وفاء تجاه من خدموها ودافعوا عن سيادتها. وفي هذا السياق يمثل المقاتل المتقاعد أحد أهم مؤشرات هذا الوفاء بوصفه شاهدًا حيًا على صدق الدولة في التزامها تجاه أبنائها أو دليلاً على قصور منظومتها القيمية والمؤسسية.
إن احترام المتقاعد العسكري لا يُعد ترفًا اجتماعيًا أو مجاملة رمزية بل هو التزام وطني وأخلاقي مستحق يرتبط مباشرة بمفهوم العدالة داخل المؤسسة العسكرية والدولة. فالدولة التي لا تكرم مقاتليها بعد انتهاء خدمتهم إنما تكشف عن خلل في بنيتها القيمية قبل أن يكون خللاً في قدراتها السياسية أو العسكرية.
ويبقى المقاتل المتقاعد امتدادًا حيًا للمؤسسة العسكرية يحمل في ذاكرته خبرات الميدان وتفاصيل التضحية والانضباط ويظل مرتبطًا وجدانيًا ووطنيًا بالواجب الذي أداه طوال سنوات خدمته. فحتى بعد مغادرته الخدمة الفعلية لا تنفصل عنه الروح العسكرية التي تشكلت عبر التجربة ولا ينقطع ارتباطه المعنوي بميدان الشرف والواجب.
إن تاريخ القوات المسلحة هو في جوهره تاريخ رجالها أولئك الذين خاضوا ميادين الدفاع عن الوطن وتركوا بصماتهم في صفحات الأمن والاستقرار. وما زالت تضحياتهم تمثل جزءًا أصيلاً من الذاكرة الوطنية وشاهدًا على مراحل بناء الدولة وصون كيانها.
وعليه فإن صون كرامة المتقاعدين العسكريين والحفاظ على مكانتهم ليس مجرد واجب تجاه الماضي بل هو استثمار في الحاضر وضمانة للمستقبل لما يعكسه من ترسيخ لثقافة الوفاء وتعزيز للثقة بين الدولة ومؤسساتها العسكرية وأفرادها.
رحم الله من مضى منهم وحفظ الأحياء الذين ما زالوا يحملون إرث الشرف والواجب فكانوا وما زالوا ركيزة من ركائز العراق وحصنه المنيع وضميره الحي في مواجهة التحديات.












