"البوركيني" و"البيكيني": فدرلة من نوع مختلف في لبنان
كل موسم صيف يتكرر المشهد نفسه في لبنان
“إنها الفتنة، يا أهلي في كلّ لبنان”، هكذا وصف رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري “اتفاق الإطار” الذي أُبرم مع إسرائيل الجمعة 26 حزيران/يونيو الماضي، داعيًا إلى ضبط النفس وعدم الانجرار إليها. لا نقاش في أن الوضع في لبنان يشهد ساحة متوترة وصدامية حول خيار الدولة اللبنانية في الذهاب بدبلوماسية المفاوض إلى واشنطن للتوقيع على “اتفاق الإطار” مع الجانب الإسرائيلي وبرعاية أميركية لإنهاء حالة العدوان والاحتلال في مناطق جنوبية. فأزمة الانقسام العمودي بين المكونات اللبنانية لا تقتصر على القضايا الجوهرية والمحورية، واندلاع الفتنة لا يحتاج إلى اتفاقيات دولية، لأنها تنعكس على مختلف القضايا في لبنان، حتى تلك المتعلقة بارتداء “البوركيني” أو “البيكيني” على شواطئه.
في أيار/مايو عام 2022، شهد شاطئ صيدا الساحلي جنوب لبنان تحركات احتجاجية، بعدما قالت السيدة اللبنانية ميساء يعفوري حنوني إنها تعرضت لاعتداء من شبان على الشاطئ الشعبي بسبب ارتدائها لباس البحر. على إثر ذلك، نفذت تجمعات نسوية ومدنية وقفة أمام شاطئ صيدا رفضًا لقرار البلدية بمنع ارتداء النساء “المايوه” أثناء السباحة ووضع شروط للباس المرأة على الشاطئ. وبموازاة ذلك، نظم عدد من السكان ورجال الدين تجمعًا مطالبين بالحفاظ على ما أسموه الالتزام الديني والعادات الأخلاقية في مدينتهم، وأسفرت المواجهة عن صدامات تدخلت على إثرها القوى الأمنية وقامت بتفريق المحتجين.
بين نصوص الدستور وضغوط الواقع يبقى لبنان عالقا بين حماية الحريات الفردية وخطر الانقسام ما يجعل أبسط القضايا مرآة لأزمات الدولة المزمنة
هذه الحادثة ليست عرضية، وحتمًا ليست الوحيدة التي أُثيرت فيها البلبلة على الشاطئ اللبناني الذي يمتد حوالي 210 كلم من أقصى جنوبه إلى أقصى شماله. إذ سبقتها حوادث مماثلة؛ ففي عام 2017، وفي منتجع ميرامار في طرابلس، مُنعت السيدة نورا الزعيم من دخول المسبح بلباس “البوركيني”، الأمر الذي أثار موجة تضامنية معها، وأخرى مؤيدة لقرار المنتجع على اعتباره منتجعًا خاصًا.
رغم أن الدستور اللبناني كفل الحرية الشخصية في المادة الثامنة منه التي تنص على أن “الحرية الشخصية مصونة وفي حمى القانون”، وأعاد التأكيد في المادة التاسعة أن “حرية المعتقد مطلقة وحرية إقامة الشعائر الدينية مصانة شرط ألا يكون في ذلك إخلال بالنظام العام”، إلا أن الموضوع يتخطى القانون والشكل الدستوري، ليدخل في مضمون تأسيس هذا البلد، ويعيد طرح سؤال الصحفي اللبناني جورج نقاش في مقاله الذي سُجن بسببه في أيار/مايو عام 1943: هل يلتقي المتناقضان؟
مع بداية كل موسم صيف، يتكرر المشهد نفسه في لبنان؛ إذ لا يكون النقاش عن نظافة الشواطئ، ولا عن حق الجميع في الوصول إلى البحر، ولا عن الأسعار المرتفعة، بل يشتعل الجدل مجددًا حول لباس “البوركيني” و”البيكيني”، حيث تنقسم مواقع التواصل الاجتماعي إلى معسكرين، كل منهما يعتبر أنه يدافع عن الحرية من منظاره، ما يسبب حالة من التوتر تنعكس على الشارع وتزيد من انقسامه إلى جانب الانقسام السياسي.
ويشتد الجدل أكثر عندما تعلن بعض المنتجعات أو المسابح الخاصة منع ارتداء البوركيني، بحجة أن ذلك يدخل ضمن أنظمتها الداخلية وطبيعة المكان. فبين من يعتبر أن من حق كل منتجع خاص وضع القواعد التي تناسبه، ومن يرى أن منع البوركيني يُعدّ تمييزًا بحق فئة من النساء، تتحول القضية كل صيف إلى مادة سجالية تتصدر مواقع التواصل، ليجد اللبناني نفسه يدخل جدلية طرح موضوع “الفدرلة” في كل مرة ينقسم فيها الرأي العام حول قضية ما إلى داعم ومعارض، ما يرفع من جدار التفرقة بين اللبنانيين وتخرج الأبواق التي تنفخ فيها بهدف تقسيم البلاد.
الجدل حول البوركيني والبيكيني يعكس انقساما اجتماعيا وسياسيا عميقا حيث تتحول الحرية الشخصية إلى ساحة صراع تعيد إنتاج الفتنة في لبنان
لم يعد مستغربًا تخوف الرئيس بري من الفتنة؛ فالأرضية اللبنانية تُستباح طائفيًا ومذهبيًا، رغم أنها من المفترض أن تكون قد طوت صفحة الحرب الأهلية. وما يساعد في ذلك أن هناك عدوًا إسرائيليًا يعمل جاهدًا على نقل حربه إلى الداخل اللبناني من خلال زرع بذور الفتنة، إذ عمد إلى تسريب الاتفاق الأمني المفترض أن يكون سريًا والذي رافق “اتفاق الإطار”، بهدف خلق حالة من البلبلة بين اللبنانيين، على اعتبار أن هذا يسهل مهامه في أخذ لبنان إلى طاولة الاستسلام.
أمام معضلة التطبيق العملاني لاتفاق واشنطن، وفي ظل الاختلاف في الرأي ووجهات النظر المتناقضة حول مختلف القضايا، يقف مصير البلد مترنحًا بين حرب أهلية بدأت تطل برأسها، وبين احتضان عربي ودولي لهذا البلد كي لا يقع في المحظور لصالح إسرائيل.
بين هذا وذاك، يتوقف الأمر عند عاملين للخروج من مأزق الفتنة: الأول الالتزام بروحية الدستور من خلال تطبيق القانون، وهذا مطلب أساسي لبناء الدولة الحاضنة لكافة مكونات شعبها. والثاني، الاقتداء بما تقوم به حكومة العراق من حملة اعتقال للفاسدين والمفسدين من المسؤولين، لأن مثل هؤلاء يتعايشون من خلال إشعال نار الفتنة التي كان من المفترض وأدها بعد اتفاق الطائف والدوحة من أجل النهوض بلبنان “الرسالة” الذي دعا إليه البابا الراحل يوحنا بولس الثاني. فهل سيلتقي المتناقضان في لبنان تحت سقف القانون أم سيشعل “البيكيني” و”البوركيني” ما لم يشعله “اتفاق الإطار”؟
د. جيرار ديب
كاتب ومحلل سياسي لبناني













