(آخر الشهداء) بريوسوف يتنبأ بمآلات الثورة والموت

بقلم رند الأسود أيلول/سبتمبر 17, 2026 181

رند الأسود

في اجواء سياسية مشحونة بين الدم والنشوة والنار كتب لنا عميد الأدب الرمزي الروسي، الكاتب والشاعر فاليري ياكوفلييفيتش بريوسوف، قصته “آخر الشهداء" التي ما ان تقرأ السطور الأولى منها حتى تعود بك عجلة الزمن الى الوراء وتفتح لك بوابات سنة 1905 على مصراعيها، هناك في روسيا، بين ما حدث في "الأحد الدامي"، وتجبر وطغيان عائلة رومانوف الحاكمة.

نشرت قصة "آخر الشهداء، رسالة لم تصل إلى عنوانها الصحيح ووقعت بيد جلاد فأحرقها" في العدد 124 لمجلة (نزوى) بتوقيع المترجم العراقي محمد خميس.

كتب بريوسوف قصته عام 1906، أي بعد ثورة 1905، مستشرفا بالكارثة السياسية والثقافية التي ستحدث في حال قامت ثورة أخرى. فمن مآسي ثورة روسيا 1905 أنها أفقدت ثقة الناس بقيصرهم وبحكم عائلة رومانوف.
وهنا، في هذه المخطوطة الصغيرة، يسأل بريوسوف بأدب رمزي ساحر: ما مصير الثقافة والمثقفين إذا تبدل المجتمع؟ وكأنه تنسم الكارثة، أو كأنما بعث برسالة غير مباشرة باحتمالية وقوعها.

الأحد الدامي.
من عبقريات الأدباء الكبار ايصال الفكرة بطريقة فنية غير مباشرة، فالقصة مكتوبة على شكل رسالة عثر عليها بعد موت صاحبها. ويخبرنا الراوي أن الرسالة كتبها صديقه ألكسندر أثاناتوس، الناجي الوحيد من أحداث مروعة وقعت في مستقبل متخيل. ومنذ مشاهدها الأولى، يبدو أن الكاتب استوحى بعض تفاصيلها من أحداث يوم (الأحد الدامي) التي وقعت فعلا في خضم ثورة 1905، عندما خرج آلاف العمال في سان بطرسبورغ في مسيرة سلمية باتجاه قصر الشتاء، حاملين مطالبهم إلى القيصر، من بينها تحسين ظروف العمل واجراء اصلاحات سياسية، الا ان القوات الحكومية أطلقت النار على المتظاهرين.
إما المعبد، فهو عالم غرائبي للمثقفين، يعيشون فيه نشوتهم بين اللوحات والكتب وأرض الخيال التي شيدوها لأنفسهم، عالم يبدو منفصلا عن صخب الخارج، لكن السؤال الذي يظل معلقا فوقه: هل سيبقى كل هذا الجمال، وكل هذه الثقافة، بعد سقوط القيصر؟

الفطنة الفنية.
أنني لا أنكر خوفي، كناقدة، من الأدب الرمزي، فأنا أهابه وأفتتن به في آن واحد، لأن كل كلمة فيه تحمل ألف تفسير، وكل مشهد يفتح بابا جديدا للتأويل.
فهل قصد بريوسوف تصوير الصراع بين النخبة والثوار؟ وهل كان نجاح الثورة، في مخيلته، أمرا محسوما حتى قبل أن يقع الانقلاب الذي سيطيح بالحكم القيصري بسنوات؟
وهل كان المعبد هو البرج العاجي الكبير للمثقفين، ذلك العالم المنعزل بين اللوحات والكتب والنشوة، الذي احتموا به حتى أصبحوا على استعداد للموت داخله دون الخروج منه؟ أم أن بريوسوف أراد أن يقول لنا إن هذا العالم الجميل، مهما بدا مكتملا ومحصنا، لن يصمد أمام عاصفة التغيير؟
(لكن يبدو وكأنه ما من أحد يستمع إلى صوت الطلقات، فقد كان الأرغن يواصل عزف أغنيته المغرية بأيد خفية. وكانت رائحة البخور تتذبذب في الهواء المضطرب. ولم يضعف قداس العاطفة في وضح النهار، كما كان من قبل، تحت نور الشموع المقدسة).

إنها قصة تتنبأ بمآلات موت يبدو حتميا، رغم ما يكتنفها من حسية طاغية، وكأن بريوسوف يضع القارئ أمام سؤال لا يستطيع الإفلات منه: ماذا يبقى من الثقافة والمثقفين حين يسقط العالم الذي كانوا يعيشون فيه؟

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

 

 

1 1.pdf 1

 

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه