«الاقتصاد في الدولة المزدوجة العراقية»
الدكتور ثائر العجيلي
باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي
المشروع الاستراتيجي: «من يملك السيادة؟»
التقرير الاستراتيجي رقم (58) / 7:
«دولة ريعية تموّل نفسها… وتموّل في الوقت نفسه الشبكات التي تتقاسمها»
12 تشرين الأول / أكتوبر 2026
1. القاعدة الأولى: الدولة العراقية هي مركز الاقتصاد الأكبر
الاقتصاد العراقي ليس اقتصاد سوق مستقلًا عن الدولة.
النفط يظل المصدر المركزي للإيرادات العامة، والدولة هي:
♦️ أكبر رب عمل.
♦️ أكبر مشترٍ للخدمات والمقاولات.
♦️ أكبر ممول للمشروعات.
♦️ أكبر موزع للرواتب والتقاعد والتحويلات.
♦️ وأكبر بوابة إلى العقود والامتيازات.
صندوق النقد ما زال يصف الاقتصاد العراقي بأنه شديد الاعتماد على النفط، ويعتبر تضخم فاتورة الأجور العامة وضعف الإيرادات غير النفطية وهيمنة القطاع العام من أبرز نقاط الضعف الهيكلية.
وهذه نقطة تأسيسية:
في العراق، من يقترب من الدولة يقترب من المصدر الأكبر للثروة.
ومن هنا تبدأ القصة الاقتصادية للدولة المزدوجة.
السيادة الاقتصادية لا تعني امتلاك الدولة للثروة وحده؛ بل امتلاك مؤسساتها الدستورية القدرة المستقلة على تحصيل الإيرادات وتخصيص الإنفاق وتنفيذ العقود وضبط المنافذ وإدارة السياسة المالية والنقدية وفق القانون والمصلحة العامة. وعندما تتوزع السيطرة الفعلية على هذه الوظائف بين مؤسسات رسمية وشبكات سياسية واقتصادية ذات ولاءات متداخلة، فإن المشكلة لا تعود في حجم الثروة، بل في وحدة القرار الذي يحكم توزيعها.
2. النفط: المورد الذي يوحّد الدولة ويغري باقتسامها
النفط يؤدي وظيفتين متناقضتين.
من جهة، هو الذي يجعل الدولة العراقية ممكنة:
◾️يمول الجيش،
◾️والحشد،
◾️والموظفين،
◾️والتقاعد،
◾️والوزارات،
◾️والمحافظات،
◾️والخدمات.
أي أن النفط يوفر للدولة قدرة مركزية هائلة على إعادة توزيع الموارد.
لكن من جهة ثانية، عندما تأتي أغلبية الموارد إلى الحكومة من الريع النفطي بدل الضرائب المباشرة على المواطنين، يتحول الصراع السياسي بسهولة إلى صراع على:
من يسيطر على بوابات توزيع الريع؟
وهنا يصبح المنصب الاقتصادي أكثر من وظيفة إدارية.
إنه باب إلى الموارد.
3. الموازنة: الدستور المالي الحقيقي للسلطة
في دولة ريعية مثل العراق، الموازنة ليست مجرد وثيقة حسابية.
إنها خريطة لتوزيع:
◾️الرواتب،
◾️العقود،
◾️المشروعات،
◾️الوزارات،
◾️المحافظات،
◾️القوات المسلحة،
◾️والإنفاق الاستثماري.
ومن هنا تصبح معركة الموازنة في جوهرها:
معركة على توزيع القوة السياسية عبر المال العام.
فمن يحصل على عدد أكبر من المناصب والمؤسسات والبرامج، يحصل أيضًا على قدرة أوسع في:
◾️التوظيف،
◾️التعاقد،
◾️الخدمات،
◾️وبناء القاعدة السياسية.
وهذا يفسر لماذا يصبح تشكيل الحكومة في العراق مرتبطًا بشدة بتوزيع الوزارات والمؤسسات لا بالبرنامج الحكومي وحده.
4. الوزارة ليست فقط وزارة
هنا ندخل إلى القلب الحقيقي للمشكلة.
في الدولة البيروقراطية الطبيعية:
الحزب يفوز → يشكل حكومة → الوزير يدير الوزارة وفق القانون.
أما في النموذج الشبكي العراقي فقد تتحول الوزارة أحيانًا إلى:
منطقة نفوذ سياسي طويلة العمر.
ليس لأن الوزير بالضرورة فاسد.
بل لأن شبكة الحزب يمكن أن تمتد إلى:
♦️ المدير العام.
♦️ الوكيل.
♦️ المستشار.
♦️ لجان التعاقد.
♦️ مجالس إدارات الشركات العامة.
♦️ المناصب الخاصة.
دراسة Chatham House عن «الفساد المشرعن سياسيًا» ترى أن الأحزاب استخدمت نظام الدرجات الخاصة لتعيين موظفين كبار داخل مؤسسات الدولة، وأن بعض هؤلاء يصبحون عمليًا أدوات لضمان تدفق الموارد إلى الشبكات السياسية الراعية لهم.
وهذه نقطة ثقيلة جدًا:
السيطرة الاقتصادية لا تحتاج دائمًا إلى السيطرة على الوزير؛ يكفي أحيانًا السيطرة على مفاصل الوزارة.
5. الدرجات الخاصة: العمود الفقري الاقتصادي للشبكة
الوزير يتغير.
لكن المدير العام قد يبقى سنوات.
وكيل الوزارة قد يعبر أكثر من حكومة.
ومسؤول العقود يمكن أن يظل جزءًا من البنية الإدارية حتى بعد تغير التحالف السياسي.
وهنا تظهر قيمة الدرجات الخاصة.
Chatham House يصفها بأنها إحدى الأدوات التي تنافست الأحزاب من خلالها على زرع مسؤولين كبار داخل الجهاز الحكومي، بما يسمح بتوجيه الموارد والعقود بصورة تخدم رعاتهم السياسيين.
ومن هنا:
الشبكة الأكثر قوة ليست بالضرورة التي تملك أكبر عدد من الوزراء، بل التي تمتلك أعمق حضور داخل البيروقراطية.
6. المحاصصة الاقتصادية: عندما تتحول المشاركة السياسية إلى توزيع للموارد
التوافق بين المكونات يمكن الدفاع عنه سياسيًا بوصفه وسيلة لمنع الإقصاء.
لكن اقتصاديًا قد يحدث تحول خطير:
مشاركة في الحكم
تتحول إلى:
مشاركة في موارد الحكم.
حينها يصبح:
عدد المقاعد البرلمانية
⬇
قوة تفاوضية في تشكيل الحكومة
⬇
مناصب
⬇
قدرة على الوصول إلى الموارد.
Chatham House وصف النظام بعد 2003 بأنه أنتج ميثاقًا بين النخب سمح للأحزاب بالتقاط مؤسسات الدولة واستخدامها في توزيع الموارد على شبكاتها.
وهنا لا نتحدث عن رشوة فردية.
بل عن:
اقتصاد سياسي كامل لتوزيع الدولة.
7. ولذلك يجب التفريق بين الفساد الفردي والفساد المؤسساتي
الموظف الذي يأخذ رشوة يرتكب فسادًا.
لكن المشكلة الأكبر ليست هذا النوع.
المشكلة عندما يصبح:
الوصول إلى الموارد العامة جزءًا من آلية استمرار النظام السياسي نفسه.
وهذا ما تسميه الأدبيات:
Politically sanctioned corruption
أي الفساد الذي يعمل داخل شبكة من التفاهمات السياسية والحماية المتبادلة، لا كمجرد جريمة فردية.
وهنا يصبح الإصلاح أصعب بكثير.
لأنك لا تحارب لصًا.
أنت تمس توازن قوة.
8. «اللجان الاقتصادية» للأحزاب: الدولة غير المرئية
في الخطاب السياسي العراقي يُستخدم كثيرًا تعبير:
اللجان الاقتصادية للأحزاب.
وهو يشير إلى شبكات تعمل عند الحدود بين:
◾️الحزب،
◾️المقاول،
◾️المسؤول الحكومي،
◾️والعقد العام.
وليس لدينا سجل رسمي موحد يمكن أن يرسم كل هذه اللجان أو يحدد حجمها بدقة، ولذلك يجب ألا نتعامل معها كأنها مؤسسة رسمية واحدة.
لكن الظاهرة الأوسع — أي اختراق المصالح الحزبية لعمليات العقود والتعيينات وإدارة الموارد — موثقة بصورة قوية في الدراسات عن الدولة العراقية بعد 2003.
والأدق مؤسساتيًا أن نقول:
القوة الاقتصادية الحزبية في العراق ليست دائمًا شركة مسجلة أو جهازًا رسميًا؛ كثيرًا ما تكون شبكة علاقات تمر عبر مؤسسات الدولة.
9. العقود العامة: أهم بوابة لتحويل الريع إلى نفوذ
كلما كانت الدولة هي المشتري الأكبر، يصبح العقد الحكومي مصدرًا كبيرًا للثروة.
◾️طرق،
◾️كهرباء،
◾️مدارس،
◾️مستشفيات،
◾️نفط،
◾️خدمات،
◾️مشتريات عسكرية.
ومن هنا تتحول السيطرة على:
◾️لجنة تعاقد.
◾️شركة عامة،
◾️وزارة،
◾️محافظة،
إلى قدرة على توجيه جزء من الريع.
وهنا تظهر دورة:
موارد الدولة → عقد → شركة → شبكة سياسية → قدرة على تمويل السياسة → نفوذ أكبر داخل الدولة.
هذه دورة ذاتية التعزيز.
10. المنافذ الحدودية: الاقتصاد الموازي في أكثر صوره وضوحًا
المنافذ شديدة الأهمية؛ لأنها مكان يلتقي فيه:
القانون، التجارة، الأمن، والجغرافيا.
دراسة Chatham House عن شبكات الحشد أشارت إلى أن المنافذ والنقاط الحدودية أصبحت فضاءً لتوليد إيرادات من الرسوم والتحكيم التجاري والجباية غير الرسمية، وأن هذه الموارد تتقاسمها شبكات من أحزاب وجماعات مسلحة ورجال أعمال ومسؤولين حكوميين. كما نقلت الدراسة تقديرات حكومية وقتها عن فجوة ضخمة بين الإيرادات الجمركية المحتملة وما يصل فعليًا إلى الخزينة.
والنقطة الأهم ليست الرقم القديم نفسه.
بل البنية:
المنفذ الحدودي قد يكون مؤسسة للدولة، وفي الوقت نفسه مساحة تنافس بين شبكات داخل الدولة وحولها.
11. وهنا يصبح الاقتصاد مسألة سيادة
السيادة ليست السلاح فقط.
إذا كانت الدولة لا تعرف بدقة:
ما الذي يدخل عبر حدودها،
كم يُجبى،
ومن يحصل على الإيراد،
فإنها تفقد جزءًا من:
سيادتها المالية.
وبذلك يصبح المنفذ الحدودي حالة نموذجية للدولة المزدوجة:
العلم العراقي فوق البوابة
لكن:
السلطة الاقتصادية الفعلية قد تكون موزعة تحتها.
12. الفصائل والاقتصاد
هنا نحتاج الدقة نفسها التي استخدمناها في الأمن.
لا يجوز القول:
كل الحشد يسيطر على الاقتصاد.
لكن شبكات مرتبطة ببعض الفصائل والقوى المسلحة دخلت مجالات:
♦️ التجارة.
♦️ العقارات.
♦️ المقاولات.
♦️ المنافذ.
♦️ شركات وخدمات.
♦️ أنشطة محلية مختلفة.
وتشير أبحاث Chatham House إلى أن شبكات الحشد امتدت من القوة العسكرية إلى السياسة والاقتصاد، وأنها تنافست وتعاونت مع شبكات حزبية أخرى في الوصول إلى موارد الدولة والأسواق.
إذن:
السلاح لا يولد المال دائمًا، لكنه يمكن أن يحمي الوصول إليه. والمال بدوره يزيد قدرة الشبكة المسلحة على الاستمرار.
13. وهنا يتشكل مثلث القوة
يمكن أن تمتلك الشبكة:
نفوذًا سياسيًا
⬇
يفتح الطريق إلى مؤسسة أو عقد.
نفوذًا اقتصاديًا
⬇
يمول التنظيم والقاعدة الاجتماعية.
قوة مسلحة أو حماية
⬇
تحمي النفوذ السياسي والاقتصادي.
وهكذا تنشأ:
حلقة قوة مغلقة بين السياسة والمال والسلاح.
وهذا أخطر كثيرًا من الفساد التقليدي.
14. الدولة نفسها تمول بعض القوى التي تنازعها النفوذ
وهنا نصل إلى مفارقة عراقية شديدة الأهمية.
الحشد مثلًا مؤسسة ممولة من الدولة.
والقوى السياسية تحصل على شرعيتها من الانتخابات والدولة.
والموظفون والشركات والمشروعات تعتمد على الموازنة.
أي أن الشبكات لا تعيش بالضرورة من اقتصاد منفصل كليًا.
بل:
جزء كبير من قوتها يأتي من القدرة على الوصول إلى اقتصاد الدولة نفسها.
وهذه تختلف عن نموذج العصابات أو الاقتصاد السري الخالص.
والتمويل القانوني للمؤسسات لا يمثل بذاته خللًا في السيادة؛ وإنما تنشأ الإشكالية عندما تتحول الموارد المخصصة لوظائف الدولة إلى أدوات لتعزيز نفوذ تنظيمي مستقل عن سلسلة القيادة والمساءلة الرسمية. لذلك ينبغي عدم مساواة الإنفاق العام المشروع بالتمويل السياسي غير المشروع من دون دليل محدد.
15. ولهذا فـ«الاقتصاد الموازي» العراقي مختلف عن الإيراني
لن ندخل المقارنة النهائية الآن، لكن يجب أن نحدد طبيعة العراق من داخله.
في إيران رأينا مؤسسات اقتصادية ضخمة مرتبطة بالحرس والقيادة يمكن تعريفها بكيانات واضحة نسبيًا.
أما في العراق فالصورة أكثر شبكية:
◾️العقد الرسمي،
◾️المقاول الخاص،
◾️الحزب،
◾️المسؤول،
◾️الفصيل،
◾️المنفذ،
◾️المصرف،
يمكن أن تتقاطع جميعًا.
إذن الاقتصاد الموازي العراقي ليس دائمًا:
مؤسسة إلى جانب وزارة.
بل غالبًا:
شبكة تعيش داخل الوزارة والسوق والدولة معًا.
16. المصارف: عقدة السيادة المالية
المصرف المركزي العراقي يحتل موقعًا بالغ الأهمية، لأن العراق:
◾️ينتج النفط بالدولار،
◾️ويحتاج إلى النظام المالي العالمي،
◾️ويستورد نسبة كبيرة من حاجاته.
وبالتالي فإن القطاع المصرفي يصبح نقطة التقاء:
السيادة النقدية العراقية
و:
النظام المالي الدولي.
صندوق النقد في 2025 شدد على ضرورة إصلاح المصارف الحكومية، وتحديث النظام المصرفي، وتحسين علاقات المصارف الخاصة بالمصارف المراسلة، بما يعكس استمرار هشاشة جزء من القطاع المالي.
وهنا تظهر أهمية كبرى:
من يسيطر على قناة الدولار يملك قدرة كبيرة على التأثير في الاقتصاد العراقي كله.
17. الدولار: مورد اقتصادي وأداة سيادية خارجية
العراق حالة خاصة.
الدولة تبيع النفط وتحصل على إيرادات دولارية ضمن النظام المالي الدولي.
ولهذا فإن العلاقات مع الولايات المتحدة لا تقتصر على القواعد العسكرية أو السياسة.
هناك أيضًا:
البنية المالية العالمية.
ومن هنا يصبح الضغط الأميركي عبر:
◾️المصارف،
◾️التحويلات،
◾️العقوبات،
◾️والامتثال المالي،
أداة ذات أثر مباشر على السوق العراقية.
وهذا يفسر ما ناقشناه سابقًا:
النفوذ الأميركي يمكن أن يصل إلى العائلة العراقية عبر النقد والأسعار والتجارة أسرع مما يصل إليها النفوذ السياسي التقليدي.
وهذا ليس تقييمًا أخلاقيًا؛ بل وصف لبنية الاقتصاد.
18. إيران والاقتصاد العراقي: نفوذ من نوع آخر
العلاقة الاقتصادية مع إيران عميقة في:
♦️ الكهرباء والطاقة.
♦️ الغاز.
♦️ التجارة الحدودية.
♦️ السلع.
♦️ الأسواق الدينية والسياحية.
♦️ شبكات الأعمال.
لكن الأهمية الاستراتيجية الأكبر ليست التجارة وحدها.
بل أن شبكات سياسية واقتصادية عراقية مرتبطة بدرجات مختلفة بعلاقات مع إيران.
وهنا يتحول الاقتصاد من:
تجارة بين دولتين
إلى:
تشابك بين شبكات داخل دولتين.
19. العراق «البنك الإيراني»: كيف نصوغ الفكرة علميًا؟
عبارة «العراق البنك الإيراني» قوية سياسيًا، لكنها تحتاج إعادة تعريف حتى تصبح قابلة للبحث.
الأدق ألا نقول إن العراق كله «بنك لإيران».
بل نسأل:
♦️ إلى أي مدى يمثل السوق العراقي منفذًا اقتصاديًا لإيران؟
♦️ ما حجم التجارة والطاقة؟
♦️ ما دور التحويلات وشبكات الأعمال؟
♦️ ما قدرة العراق على تخفيف بعض آثار العقوبات على إيران؟
♦️ ما حجم الموارد العراقية التي تستفيد منها شبكات مرتبطة بطهران؟
وبهذا نحول الشعار إلى فرضية قابلة للقياس.
20. القطاع العام: شبكة أمان أم أداة سياسية؟
الوظيفة الحكومية في العراق ليست مجرد علاقة عمل.
إنها أيضًا:
◾️دخل مضمون،
◾️تقاعد،
◾️مكانة اجتماعية،
◾️شبكة حماية.
وهذا يجعل التعيين العام أداة شديدة القوة.
صندوق النقد يحذر باستمرار من ضخامة فاتورة الأجور الحكومية ومن أثرها على الاستدامة المالية، بينما تشير الدراسات السياسية إلى استخدام الوظائف العامة تاريخيًا كوسيلة لبناء قواعد الولاء والمحسوبية.
وهنا تظهر المفارقة:
التوظيف العام يوفر استقرارًا اجتماعيًا، لكنه عندما يصبح جزءًا من التنافس السياسي يتحول أيضًا إلى عملة ولاء.
21. الجانب الإيجابي للريع: لا ينبغي إغفاله
كما فعلنا مع إيران، يجب أن نعطي البنية حقها.
الريع النفطي مكّن الدولة العراقية من:
♦️ إعادة بناء جزء كبير من مؤسساتها بعد الحروب.
♦️ دفع ملايين الرواتب.
♦️ تمويل شبكة حماية اجتماعية واسعة.
♦️ تمويل الجيش والأمن.
♦️ تنفيذ بنى تحتية ومشروعات.
♦️ الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي.
وفي دولة خرجت من عقود من الحروب والانهيار، هذه ليست وظيفة صغيرة.
22. الريع أيضًا يمنع الانهيار السياسي
حين تختلف القوى السياسية، تبقى هناك «كعكة» يمكن إعادة توزيعها.
وهذا يسمح بالتسويات.
أي أن النفط لا يمول الدولة فقط.
إنه أيضًا:
زيت التشحيم للنظام السياسي.
الطرف الذي لا يحصل على كل ما يريد يمكن أن يحصل على وزارة أو مؤسسة أو مشروع أو حصة في الموازنة.
ومن زاوية إدارة الصراع، هذا يقلل أحيانًا احتمالات خروج الخلاف إلى العنف.
23. لكن هنا تبدأ المشكلة الخطيرة
إذا كان استقرار النظام يعتمد على:
توزيع الموارد على مراكز القوة
بدل:
توزيعها وفق كفاءة المؤسسات واحتياجات المجتمع،
فإن الدولة تواجه معضلة.
لأن الإصلاح الحقيقي يعني أحيانًا:
حرمان بعض الشبكات من الموارد التي تستخدمها للحفاظ على الاستقرار السياسي.
وهكذا تصبح:
مكافحة الفساد نفسها تهديدًا لتوازن النخبة.
وهذا يفسر لماذا الإصلاح أصعب من مجرد إصدار قانون.
24. القطاع الخاص: المنافسة في اقتصاد غير متكافئ
العراق يحتاج إلى قطاع خاص قوي إذا أراد تقليل الاعتماد على النفط والدولة.
لكن المستثمر الخاص ينافس في بيئة قد يواجه فيها:
♦️ بيروقراطية ثقيلة.
♦️ ضعفًا في التمويل.
♦️ منافسين ذوي حماية سياسية.
♦️ عدم يقين قانوني.
♦️ مصارف حكومية مهيمنة.
♦️ اقتصادًا عامًا يوفر وظائف ورواتب يصعب على القطاع الخاص منافستها.
ولهذا يؤكد صندوق النقد على إصلاح سوق العمل، والمصارف الحكومية، وبيئة الأعمال، وتعزيز نمو القطاع الخاص.
ومن هنا:
الدولة الريعية لا تزاحم القطاع الخاص فقط بحجمها؛ بل شبكات الدولة قد تزاحمه أيضًا بعدم تكافؤ النفوذ.
25. الفساد هنا ليس مجرد استنزاف مال
هذه النقطة مهمة جدًا.
الفساد الفردي يسرق المال.
أما الفساد الشبكي فيغيّر:
من يملك الدولة.
فإذا كان الوصول إلى الوظيفة والعقد والقرار مرتبطًا بالشبكة، يصبح المواطن أو رجل الأعمال الذي لا يمتلك شبكة:
أضعف سياسيًا واقتصاديًا.
وهنا يتحول الفساد إلى مشكلة في:
المواطنة والمساواة أمام الدولة.
26. ولذلك الاقتصاد يصنع السلطة وليس العكس فقط
كثيرًا ما نقول:
الحزب القوي يحصل على المال.
لكن بعد فترة يصبح:
المال هو الذي يجعل الحزب قويًا.
العقد يمول القاعدة.
الوظيفة تبني الولاء.
المشروع يمنح النفوذ المحلي.
الإيراد يمول الإعلام والتنظيم.
ثم تُستخدم هذه القوة للفوز بموقع أكبر في الدولة.
وهكذا تعمل الحلقة:
سياسة → اقتصاد → سياسة أقوى.
27. ماذا يحدث عندما ينخفض سعر النفط؟
هنا يكشف النظام نقطة ضعفه.
طالما الموارد كبيرة، يمكن:
◾️إرضاء أطراف كثيرة،
◾️توسيع الرواتب،
◾️تمويل التسويات.
لكن عندما تنخفض الإيرادات، تصبح الدولة أمام:
موارد أقل + التزامات أكبر + شبكات لا تريد خسارة حصتها.
صندوق النقد حذر في 2025 من أن انخفاض أسعار النفط والضغوط التمويلية يفاقمان هشاشة المالية العامة العراقية.
وهنا تظهر قاعدة مهمة:
الدولة الريعية تكون أكثر مرونة عندما يتسع الريع، وأكثر عرضة للصراع على الحصص عندما يضيق.
28. والموازنة عندئذ تتحول من أداة توزيع إلى ساحة صراع
عندما لا يكفي المال للجميع، يبدأ السؤال:
◾️من يخسر؟
◾️الموظف؟
◾️المحافظة؟
◾️الوزارة؟
◾️الإقليم؟
◾️الحشد؟
◾️مشروعات الاستثمار؟
وهنا يصبح الاقتصاد سياسيًا جدًا.
فكل تخفيض مالي يمكن تفسيره بوصفه:
إعادة توزيع للسلطة.
29. إقليم كردستان: دولة مالية داخل الاتحاد؟
هذه طبقة أخرى لا يجوز إغفالها.
العلاقة المالية بين بغداد وأربيل عاشت سنوات طويلة من النزاعات حول:
♦️ النفط.
♦️ الموازنة.
♦️ الرواتب.
♦️ الصادرات.
♦️ الإيرادات غير النفطية.
وهنا لا نتحدث عن شبكة فصائلية، بل عن اتحادية غير مكتملة ماليًا.
وهذا يضيف شكلًا آخر من توزيع السلطة الاقتصادية.
وليست اللامركزية المالية أو الصلاحيات الدستورية للإقليم ازدواجًا في الدولة بذاتها؛ إنما تبدأ إشكالية السيادة حين تتعارض ممارسة الصلاحيات أو السيطرة الفعلية على الموارد مع قواعد الاختصاص والمساءلة الدستورية. ومن الضروري التمييز بين التعدد الاتحادي المشروع وبين النفوذ غير الرسمي الذي يتجاوز الاختصاصات القانونية.
إذن ازدواج الاقتصاد العراقي ليس شيعيًا ولا فصائليًا فقط.
بل يحتوي أيضًا على:
◾️مركز–إقليم،
◾️وحكومة–محافظات،
◾️ وحزب–وزارة،
◾️وفصيل–سوق.
30. الاقتصاد العراقي إذن متعدد الطبقات
يمكن رسمه بهذه الطريقة:
◾️الطبقة الأولى
الدولة الريعية الرسمية: النفط، الموازنة، الوزارات، الشركات العامة.
◾️الطبقة الثانية
الاقتصاد الحزبي الشبكي: الوصول إلى العقود والتعيينات والمناصب.
◾️الطبقة الثالثة
الاقتصاد المسلح/الهجين: أنشطة شبكات مرتبطة ببعض القوى المسلحة.
◾️الطبقة الرابعة
الاقتصاد الاتحادي والإقليمي: بغداد–أربيل والمحافظات.
◾️الطبقة الخامسة
القطاع الخاص الحقيقي.
◾️الطبقة السادسة
الاقتصاد غير الرسمي والتهريب والجباية غير الرسمية.
والمشكلة الكبرى أن الحدود بين هذه الطبقات مسامية.
31. التقييم المؤسساتي المحايد
أ. الجانب الإيجابي: أين تكمن قوة النموذج؟
♦️ أولًا: قدرة الدولة على تمويل الاستقرار
النفط يوفر موارد كبيرة تمكّنها من امتصاص أزمات اجتماعية وسياسية.
♦️ ثانيًا: دمج القوى المختلفة داخل اقتصاد الدولة
بدل أن تعيش الجماعات السياسية والمسلحة بالكامل من اقتصاد غير قانوني، فإن عددًا منها يعتمد بدرجات مختلفة على الدولة الرسمية.
وهذا يجعلها مرتبطة باستمرار الدولة.
♦️ ثالثًا: إنتاج شبكة واسعة من الأمان الاجتماعي
الرواتب والتقاعد والإعانات توفر استقرارًا لملايين العراقيين.
♦️ رابعًا: الموارد تسمح بالتسوية السياسية
المال العام يتيح حلولًا وسطًا بدل الصراع الصفري في بعض الحالات.
♦️ خامسًا: النفط يمنح العراق قدرة سيادية دولية كبيرة
حجم موارده يجعل العراق دولة ذات وزن اقتصادي وسياسي حقيقي، لا مجرد ساحة نفوذ للآخرين.
ب. الجانب السلبي
♦️ أولًا: تحويل الدولة إلى مصدر تمويل للشبكات
كلما ارتبط النفوذ السياسي بالوصول إلى الموازنة، أصبحت الدولة نفسها منتجة لمراكز القوة التي تنازعها.
♦️ ثانيًا: تآكل مبدأ الجدارة
حين يسبق الانتماء الشبكي الكفاءة في التعيين والعقد، تضعف البيروقراطية.
♦️ ثالثًا: تشوه القطاع الخاص
المنافسة تصبح غير عادلة عندما يكون للمنافس حماية أو نفوذ سياسي.
♦️ رابعًا: ضعف الشفافية
تعدد مسارات الموارد يجعل تتبع المال العام أصعب.
♦️ خامسًا: هشاشة مرتبطة بالنفط
أي انخفاض طويل في الإيرادات يهدد قدرة النظام على الحفاظ على شبكة التوزيع.
♦️ سادسًا: ربط الإصلاح بصراع سياسي
إصلاح مؤسسة اقتصادية قد يعني ضرب مصدر قوة حزب أو شبكة؛ ولهذا يصبح الإصلاح السياسي والاقتصادي شيئًا واحدًا.
32. المفارقة الكبرى في الاقتصاد العراقي
وصلنا الآن إلى نتيجة أراها جوهرية:
الدولة العراقية غنية بالموارد، لكنها قد تكون أضعف مؤسساتيًا بسبب الطريقة التي توزع بها هذه الموارد.
المال يمنحها قدرة ضخمة.
لكن المال نفسه:
◾️يمكن أن يمول الحزب،
◾️والشبكة،
◾️والفصيل،
◾️والبيروقراطية التابعة.
وبذلك:
الريع يقوي الدولة ماليًا، لكنه يستطيع أن يجزئها سياسيًا.
وهذه من أقوى مفارقات النموذج العراقي.
33. المفارقة الثانية: الشبكة تحتاج خزينة الدولة
القوى السياسية لا تحتاج عادة إلى هدم الدولة.
بل تحتاجها:
◾️كي تدفع الرواتب،
◾️وتمنح العقود،
◾️وتوفر الشرعية،
◾️وتنتج الموارد.
ولهذا يمكن أن تكون المعادلة:
الدولة ضعيفة في مواجهة الشبكات، لكنها ضرورية لبقاء الشبكات نفسها.
وهذه العلاقة التبادلية هي التي تفسر لماذا يستمر النظام رغم كثرة الأزمات.
34. والمفارقة الثالثة: الإصلاح يهدد المستفيدين من الدولة لكنه قد ينقذ الدولة
إذا أصلحت الحكومة:
◾️المنافذ،
◾️العقود،
◾️المصارف،
◾️التعيينات،
فإنها تزيد كفاءة الدولة.
لكنها في الوقت نفسه:
تقطع موارد عن شبكات قوية.
ولهذا فإن الإصلاح ليس مسألة إدارية.
إنه:
إعادة توزيع للقوة.
ومن اقتصاد توزيع النفوذ إلى اقتصاد سيادة المؤسسات، تتحدد خمسة مسارات مترابطة للإصلاح: شفافية الموازنة والعقود العامة وإتاحة بياناتها للرقابة؛ ضبط المنافذ والإيرادات وربطها بالخزينة؛ تحصين التعيينات العليا بمعايير الجدارة والمساءلة؛ إصلاح المصارف والامتثال المالي دون الإضرار بالنشاط المشروع؛ وحماية المنافسة والاستثمار الخاص من الامتيازات غير المتكافئة. ولا تمثل هذه المسارات برنامجًا حكوميًا تفصيليًا، بل شروطًا مؤسساتية لاستعادة وحدة القرار الاقتصادي.
ملاحظة منهجية بشأن القياس: يتطلب اختبار هذه الفرضيات متابعة أربعة مؤشرات سنوية موحدة التعريف: حصة الإيرادات النفطية من الإيرادات العامة؛ وزن الأجور والتقاعد في الإنفاق؛ نسبة الإنفاق الاستثماري المنفذ؛ والفارق بين الإيرادات الجمركية المقدرة والمحصلة. ينبغي إيراد السنة والجهة الناشرة والمنهجية عند استخدام أي رقم، والرجوع إلى بيانات وزارة المالية والبنك المركزي العراقي وتقارير صندوق النقد الدولي. ولا يجوز تحويل تقديرات قديمة أو غير متجانسة إلى حقائق راهنة.
35. الخلاصة المؤسساتية العراقية الثالثة
يقوم الاقتصاد في الدولة المزدوجة العراقية على مفارقة مركزية: فالدولة هي المصدر الأكبر للثروة بفضل الريع النفطي، لكن السيطرة على بوابات توزيع هذه الثروة — الوزارات، الدرجات الخاصة، العقود، الشركات العامة، المنافذ، الموازنة والمصارف — تمنح الشبكات السياسية والاقتصادية والأمنية موارد تستطيع من خلالها تعزيز نفوذها داخل الدولة نفسها. ولذلك لا يوجد اقتصاد موازٍ منفصل بوضوح عن الاقتصاد الرسمي، بل شبكة مصالح تتقاطع معه وتعيش من موارده. وقد وفر هذا النموذج قدرة كبيرة على تمويل الاستقرار واستيعاب القوى المتنافسة وتوفير شبكة اجتماعية واسعة، لكنه أنتج في المقابل تسييسًا للموارد، وضعفًا في المساءلة والمنافسة، وحوّل الإصلاح الاقتصادي من مسألة فنية إلى صراع على توزيع السلطة.
في العراق، المال لا يخرج من الدولة ليصنع الشبكة فقط؛ كثيرًا ما تدخل الشبكة إلى الدولة أولًا لكي تصل إلى المال.
والسؤال الحاكم لهذا التقرير هو: هل تكمن أزمة السيادة الاقتصادية العراقية في نقص قدرة الدولة على إنتاج الموارد، أم في قدرتها على منع تحول مواردها إلى مصادر قوة مستقلة عن قرارها؟