طباعة

حين تتضرع النساء إلى صور الكلاب في معبد بطوكيو! (مشهد من خريف اليابان عام 2012 ).

بقلم د.مظهر محمد صالح تشرين1/أكتوير 30, 2026 96

حين تتضرع النساء إلى صور الكلاب في معبد بطوكيو!

(مشهد من خريف اليابان عام 2012 ).

 

د.مظهر محمد صالح

 

في مطلع شهر تشرين الثاني من عام 2012، كنت أحد المشاركين في الاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، التي انعقدت في العاصمة اليابانية طوكيو.

وفي أحد الأيام، قادتني خطواتي إلى أحد أحياء العاصمة، حيث استوقفني مشهد غير مألوف في باحة معبد بوذي يقع على مرتفع فسيح قليل الارتفاع. كان ثمة طابور من النساء اليابانيات، يرتدين أجمل ملابسهن، ويتقدمن بخطى هادئة ومنتظمة، في مشهد يختلط فيه الوقار بالخشوع.

قادني الفضول إلى الاقتراب، فإذا بي أمام نحو أربعين صورة فوتوغرافية لكلاب من سلالات مختلفة، مصطفّة بعناية لافتة في الباحة الخارجية للمعبد. وكانت النساء يتوقفن أمام الصور تباعاً، ويؤدين حركات تشبه طقوس الدعاء والتبرّك، فيما يبدو أن لكل واحدة منهن صورة بعينها تقف أمامها وتخصّها بمناجاتها.

كان المشهد غريباً بالنسبة إليّ، بل أثار في نفسي دهشة ممزوجة بالحيرة. ماذا يجري هنا؟ وما الذي يدفع نساءً يابانيات إلى التوجه بالدعاء أمام صور الكلاب داخل فضاء ديني؟

دفعتني الحيرة إلى الاقتراب من إحدى السيدات، التي استقبلتني بابتسامة ودودة، وكانت تتحدث قدراً من اللغة الإنكليزية. وبعد أن انتهت من طقوسها، سألتها عن مغزى ما يجري.

وبحسب ما فهمته من حديثها، فإن الأمر يرتبط بمناجاة رمزية وبالتبرّك، وبالأمل في الحصول على الذرية والإنجاب، من خلال استحضار رمزية التكاثر لدى الكلاب. وقد أشارت إلى اعتقاد يرتبط بقدرة هذه الحيوانات على التناسل والإنجاب، وكأن النساء يستمددن من عالمها أملاً في تحقيق أمنية الأمومة.

أصابني جوابها بمزيد من الدهشة. هل نحن أمام صورة من صور التوسل الرمزي بالطبيعة؟ أم أمام امتداد لمعتقدات شعبية قديمة تتداخل فيها الرموز الحيوانية مع الأمنيات الإنسانية؟ أم أن الأمر يتصل بتصور ديني يرى في بعض الكائنات الحية رموزاً للخصوبة والوفرة واستمرار الحياة؟

لم أجد يومها إجابة حاسمة، ولم أكن أمتلك ما يكفي من المعرفة بالتراث الديني والشعبي الياباني لأضع هذه الظاهرة في سياقها الصحيح.

بين طقوس التكريم ورمزية الخصوبة: أيّ تفسير كان وراء المشهد؟

ومع مرور الزمن، أخذت أتساءل إن كان التفسير الذي تلقيته من تلك السيدة يمثل حقيقة الطقس الذي شاهدته، أم أنه مجرد فهم شخصي أو تأويل محلي لممارسة أوسع دلالة.

فثمة احتمال آخر لا يقل أهمية، وهو أن تكون تلك الصور الفوتوغرافية لكلاب راحلة، وأن تكون النساء قد حضرن لإحياء ذكراها أو أداء طقوس التكريم والوفاء لأرواحها. فالثقافة اليابانية تعرف تقاليد دينية وشعبية تتصل بتكريم الحيوانات الأليفة بعد موتها، وتقام في بعض المعابد مراسم خاصة لتأبينها، تعبيراً عن الامتنان للرفقة والوفاء اللذين منحتهما للإنسان خلال حياتها.

وهنا يصبح المشهد مختلفاً تماماً، فبدلاً من أن يكون دعاءً لاستحضار الخصوبة والإنجاب، قد يكون طقساً للوفاء والذكرى، تتجاوز فيه العلاقة بين الإنسان والحيوان حدود الحياة البيولوجية، لتأخذ أبعاداً روحية وعاطفية.

وثمة احتمال ثالث، يتمثل في أن تكون صور الكلاب مرتبطة برمزية شعبية تتصل بالخصوبة والولادة وسلامة الحمل. فبعض المعتقدات اليابانية تمنح الكلب مكانة رمزية في هذا المجال، ولا سيما أن الكلبة ترتبط في المخيال الشعبي بالولادة ورعاية صغارها. لكن تحديد ما إذا كان هذا هو المقصود فعلاً في ذلك المعبد يحتاج إلى معرفة اسم المكان وطبيعة المناسبة.

ومن الجدير بالذكر أن الكلب يحتل موقعاً متنوعاً في الموروث الياباني ، فهناك رموز حيوانية تستخدم للحراسة والحماية في المزارات، وهناك حكايات شعبية تتصل بأرواح الحيوانات، كما توجد تقاليد لتكريم الحيوانات الأليفة بعد رحيلها. وهذا التعدد يجعل من الصعب اختزال أي مشهد من هذا النوع في تفسير ديني واحد.

المفارقة الفلسفية: حين يستعير الإنسان رموزه من الطبيعة

أما المفارقة الفلسفية الأعمق في هذه الواقعة، فتتجاوز السؤال عن حقيقة الطقس نفسه.

فالإنسان، في مختلف الحضارات، حين يقف أمام أسرار الحياة والموت والإنجاب، وحين تعجز قدرته المادية والعقلية عن التحكم في مصائرها، يبحث عن ملاذ في الرمز والأسطورة والطقس والمقدّس. إنه يحاول أن يستعير من الطبيعة ما يمنحه الأمل، وأن يجد في الكائنات المحيطة به إشارات إلى ما يتمناه أو يخشاه.

وهكذا تتحول الحيوانات في الوجدان الإنساني من مجرد كائنات بيولوجية إلى رموز متعددة الدلالات ، فالكلب قد يكون رمزاً للوفاء والحماية، وقد يصبح رمزاً للخصوبة والأمومة، وقد يتحول بعد موته إلى موضوع للتكريم والوفاء والذكرى.

إنها علاقة معقدة بين الإنسان والطبيعة، تتجاوز المنفعة المادية إلى فضاءات الاعتقاد والوجدان. ففي بعض الثقافات، لا ينظر الإنسان إلى الحيوان باعتباره كائناً يعيش إلى جانبه فحسب، بل قد يمنحه مكانة رمزية أو روحية، ويستحضر صورته في طقوسه ومناسباته، وربما في لحظات ضعفه وأمله.

ولعل هذا هو الجانب الأكثر إثارة للتأمل في المشهد الذي صادفته في طوكيو: كيف تتداخل العاطفة الإنسانية مع المعتقد الديني والموروث الشعبي، وكيف يستطيع رمز واحد أن يحمل معاني مختلفة باختلاف المكان والزمان والوجدان الثقافي.

سؤال بقي مفتوحاً منذ خريف طوكيو

غادرت المكان، وبقي السؤال معي حتى بعد مغادرتي طوكيو.

هل كنت أمام طقس للتبرك والخصوبة والإنجاب؟ أم أمام مراسم لتكريم أرواح الكلاب الراحلة؟ أم أمام ممارسة رمزية تجمع بين أكثر من دلالة، لا يمكن فهمها إلا بالعودة إلى جذورها في الثقافة اليابانية؟

لم أتمكن يومها من الجزم بأي من هذه التفسيرات، ولذلك لا أزال أحتفظ بهذه الواقعة بوصفها سؤالاً ثقافياً مفتوحاً، لا حكماً على عقيدة أو شعب.

ففي الثقافات الإنسانية، ليست كل الطقوس مفهومة من ظاهرها، وليست كل الرموز قابلة للقراءة من خارج بيئتها الحضارية. وما يبدو غريباً في عين زائر قد يكون، في وجدان أصحابه، تعبيراً مألوفاً عن الأمل والحياة واستمرار الوجود.

وربما كانت دهشتي الحقيقية لم تكن مما رأته عيناي في باحة المعبد، بل من اكتشافي مرة أخرى أن الإنسان، مهما اختلفت حضاراته ومعتقداته، يظل يبحث عن معنى للحياة، ووسيلة لمصالحة نفسه مع أسرار الوجود.

لم تكن دهشتي من المشهد بقدر ما كانت من قدرة الإنسان على تحويل كائن من عالم الطبيعة إلى رمز من عالم الروح، يحمل في داخله أمنيات الحياة ومخاوف الموت وأحلام استمرار النسل.

وهكذا بقيت تلك الزيارة، في خريف طوكيو عام 2012، واحدة من المشاهد التي لم تغادر ذاكرتي ، لأنها ذكّرتني بأن السفر لا يعني اكتشاف الأمكنة وحدها، بل اكتشاف عوالم الاعتقاد والتفكير التي تسكن الإنسان، حتى في أكثر ممارساته غرابة بالنسبة إلينا.

قيم الموضوع
(0 أصوات)