زيارة في ساعة إقليمية حرجة: تسوية كبرى أم استعداد لمرحلة أشد خطورة في الشرق الأوسط؟
بقلم: أبو بكر ابن الأعظمية.
في السياسة، ليست كل الزيارات متشابهة، وحين يكون الزائر هو مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA جون راتكليف، وحين تكون الوجهة القاهرة، وحين يأتي اللقاء في لحظة شديدة الاضطراب في الشرق الأوسط، فإن قراءة الحدث لا ينبغي أن تتوقف عند صورة المصافحة أو البيان الدبلوماسي.
الخبر المؤكد هو أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي استقبل، الأحد 20 أيلول/سبتمبر 2026، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف، بحضور رئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد. ووفق البيان الرسمي للرئاسة المصرية، تناول اللقاء العلاقات الاستراتيجية المصرية–الأمريكية وآخر تطورات الشرق الأوسط، وفي مقدمتها الأزمة الإيرانية وحرية الملاحة الدولية، إضافة إلى غزة والسودان والقرن الأفريقي.
هذه هي الحقيقة المعلنة.
أما السؤال الأهم فهو: لماذا الآن؟
عندما يحضر رئيس الـCIA
زيارة مسؤول استخباراتي بهذا المستوى في توقيت إقليمي حساس تحمل بطبيعتها أهمية أمنية وسياسية. لكنها، بمفردها، لا تثبت أن قراراً بالحرب قد اتُخذ، ولا أن الولايات المتحدة تستعد حتماً لعملية عسكرية جديدة.
مع ذلك، فإن الملفات الموضوعة على الطاولة تجعل الزيارة أبعد من لقاء بروتوكولي.
الرئاسة المصرية أعلنت صراحة أن السيسي أكد دعم مصر للتوصل إلى اتفاق شامل لحل الأزمة الإيرانية بما يعيد الأمن والاستقرار إلى المنطقة ويضمن حرية الملاحة الدولية. كما أكد رفض مصر الاعتداء على أمن وسيادة الدول العربية، وشدد على المسارات السياسية والدبلوماسية لحل الأزمات.
وهنا تكمن إحدى أهم دلالات اللقاء: عندما تصبح إيران وأمن الدول العربية والممرات البحرية في صلب اجتماع بين رئيس مصر ومدير الـCIA، فنحن أمام ملفات تتجاوز الحدود المصرية إلى منظومة الأمن الإقليمي بأكملها.
القاهرة بين واشنطن وطهران
بحسب تقرير نشرته The National في اليوم نفسه، تعمل القاهرة على تقريب المواقف بين الولايات المتحدة وإيران، مع استمرار اتصالات مصر مع واشنطن وطهران ودول عربية بحثاً عن صيغة توقف التصعيد وتحمي الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
وهذا يعطينا قراءة مختلفة للزيارة.
قد يكون راتكليف في القاهرة ليس لمناقشة سيناريو الحرب وحده، وإنما أيضاً لاستكشاف مخارج تمنع توسعها أو لإدارة تفاوض أمني شديد الحساسية لا يمكن إنجازه كله عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية.
القاهرة تمتلك ثقلاً سياسياً وأمنياً، كما أن أمن البحر الأحمر وقناة السويس بالنسبة إلى مصر قضية أمن قومي ومصلحة اقتصادية مباشرة. ولهذا فإن أي اضطراب طويل في الممرات البحرية المحيطة بالمنطقة ينعكس عليها بصورة مباشرة.
السعودية والبحر الأحمر وإيران… لوحة واحدة
لا يمكن قراءة لقاء القاهرة بمعزل عن التصعيد الإقليمي الأوسع.
التوتر المرتبط بإيران، والهجمات الحوثية الأخيرة على السعودية، وأمن البحر الأحمر وباب المندب، وملف الملاحة الدولية، كلها أصبحت أجزاء مترابطة في أزمة واحدة واسعة. وقد أشار تقرير The National إلى أن اللقاء جاء عند منعطف حساس، بالتزامن مع التصعيد الحوثي ضد أهداف سعودية والتوتر المتعلق بالممرات البحرية.
لذلك فإن السؤال لم يعد متعلقاً بدولة واحدة:
هل تنجح الوساطات في احتواء التصعيد قبل اتساعه، أم أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من المواجهة؟
غزة والسودان والقرن الأفريقي أيضاً
واللافت أن ملف إيران لم يكن وحيداً.
البيان المصري أكد أن المباحثات شملت تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية المتعلقة بوقف إطلاق النار في غزة، إلى جانب الأزمة السودانية والتطورات في القرن الأفريقي والصومال.
وهذه الجغرافيا الواسعة للملفات مهمة للغاية.
من إيران والخليج إلى غزة، ومن البحر الأحمر إلى السودان والقرن الأفريقي، نحن أمام سلسلة من بؤر التوتر المحيطة بالممرات الاستراتيجية والمصالح الأمنية والاقتصادية للقوى الإقليمية والدولية.
ومن هنا تصبح القاهرة نقطة ذات أهمية استثنائية في الاتصالات الجارية.
هل جاءت المخابرات لمنع الحرب أم للاستعداد لما بعدها؟
هذا هو السؤال الذي سيبقى مفتوحاً.
لا توجد حتى هذه اللحظة، في البيانات الرسمية التي راجعتها، معلومة تثبت أن زيارة راتكليف تعني أن حرباً شاملة أصبحت مقررة.
لكن من المشروع سياسياً أن نسأل عن دلالة توقيتها، ولا سيما أن مسؤولاً بحجم مدير الـCIA يناقش في القاهرة الأزمة الإيرانية وأمن المنطقة والملاحة الدولية وغزة والسودان والقرن الأفريقي.
قد تكون المهمة احتواء الانفجار.
وقد تكون جزءاً من ترتيبات أمنية لمرحلة أكثر تعقيداً.
وقد تجمع بين الأمرين: مفاوضات اللحظة الأخيرة بالتوازي مع الاستعداد لكل السيناريوهات.
لكن الجزم بأحد هذه السيناريوهات يحتاج إلى أدلة لم تظهر علناً بعد.
القاهرة ليست محطة عابرة
مصر ليست دولة بعيدة عن مركز هذه الدائرة.
قناة السويس والبحر الأحمر وغزة والسودان وليبيا والقرن الأفريقي تجعل الأمن المصري متصلاً بصورة مباشرة بجزء كبير من أزمات المنطقة. كما أن القاهرة تحتفظ بعلاقات استراتيجية مع واشنطن وقنوات اتصال إقليمية تجعلها مؤهلة لأدوار الوساطة ونقل الرسائل.
ولهذا أرى أن السؤال الحقيقي ليس:
لماذا جاء مدير الـCIA إلى مصر؟
بل:
ما الرسائل التي يحملها، وما الرسائل التي سيغادر بها؟
فالاجتماعات الاستخباراتية رفيعة المستوى لا تكشف عادة كل ما يجري خلف أبوابها في بيانات صحفية.
الشرق الأوسط أمام مفترق طرق
المنطقة اليوم تقف بين مسارين متناقضين: تسوية سياسية واسعة تقلل احتمالات المواجهة، أو استمرار التصعيد بما يفتح الباب أمام صراع إقليمي أشد اتساعاً.
والاجتماع الذي جرى في القاهرة يمكن قراءته ضمن الجهود الرامية إلى إدارة هذه اللحظة الخطيرة، لا باعتباره دليلاً قائماً بذاته على أن ساعة الحرب قد حُددت.
ولكن اجتماع السيسي مع مدير الـCIA، ووضع إيران والملاحة الدولية وأمن الدول العربية وغزة والسودان والقرن الأفريقي على طاولة واحدة، يقول شيئاً واضحاً:
الشرق الأوسط يمر بمرحلة لا تحتمل الحسابات الخاطئة.
وفي مثل هذه المراحل تتحرك أجهزة الاستخبارات والدبلوماسية معاً؛ لأن المطلوب قد يكون منع الحرب، أو إدارة التصعيد، أو صناعة تسوية قبل أن تصبح كلفة التسوية أعلى من كلفة المواجهة.
ولهذا ينبغي أن تبقى الأنظار مفتوحة على واشنطن والقاهرة وطهران والرياض والبحر الأحمر ومضيق هرمز خلال المرحلة المقبلة.
فالزيارة مؤكدة، والملفات المعلنة ثقيلة، والتوقيت حساس للغاية.
أما القول إن «حدثاً سيغير الشرق الأوسط»، فسيظل حتى تظهر أدلة إضافية قراءةً سياسية محتملة، لا حقيقةً مثبتة.












