العميد الركن المتقاعد
الدكتور وليد عبد الملك الراوي
تقديم
لاحظت ان البعض من قادة وضباط الجيوش العربية, خاصة جيشنا العراقي الباسل خاصة الاحداث منهم, لم يدرسوا او قد سمعوا بهذه المعركة المهمة والتي تعطي مثالا واقعيا ,كيف ان بعض قيادات الدول تصاب بوهم التفوق العسكري والذي يؤدي في النهاية إلى هزيمة استراتيجية ومنها موضوع بحثنا هذا حيث اصيبت فرنسا بهزيمة استراتيجية في هذه المعركة.
المدخل
تُعدّ معركة ديان بيان فو, من أهم المعارك في تاريخ الحروب الحديثة, لأنها لم تكن مجرد هزيمة عسكرية فرنسية، بل كانت مثالًا بارزًا على انهيار استراتيجية عسكرية صُممت لتحقيق نصر سياسي لفرنسا, فانتهت إلى هزيمة.
دارت المعركة بين القوات الفرنسية وقوات الفيت منه الفيتنامية بقيادة الجنرال فو نغوين 7 مايو 1954 جياب وانتهت باستسلام القوات الفرنسية المحاصرة.
خلفية المعركة
بعد الحرب العالمية الثانية، حاولت فرنسا استعادة سيطرتها الاستعمارية على الهند الصينية، حيث واجه الفرنسيون مشكلة استراتيجية أساسية, بعد تصدي الحركة الوطنية الفيتنامية بقيادة هو تشي منه للغزو الفرنسي حيث قاد حربًا ضدها.
كان الفرنسيون يمتلكون تفوقًا في القوة الجوية والتسليح التقليدي، لكنهم كانوا يقاتلون خصمًا يستند إلى قاعدة شعبية واسعة، ويستخدم حرب العصابات، واستطاع استخدام تضاريس فيتنام الصعبة في التحشد والمناورة والاسناد والتموين.
في نوفمبر 1953، أنزلت فرنسا قوات مظلية في منطقة ديان بيان فو وأنشأت قاعدة محصنة في وادٍ تحيط به مرتفعات جبلية و كان الهدف استدرج قوات الفيت منه إلى معركة كبيرة تستطيع فيها فرنسا استخدام قوتها النارية وتفوقها الجوي لتحقيق النصر.
لكن الخطأ الاسترتيجي الكبير ,أن فرنسا اختارت ساحة المعركة، بينما امتلك خصمها القدرة على تحويل هذه الساحة إلى فخ للقوات الفرنسية نفسها.
الاستراتيجية الفرنسية في الحرب
كان الجنرال هنري نافار، القائد العام للقوات الفرنسية في الهند الصينية، يسعى إلى تغيير مسار الحرب من خلال خطة تقوم على إعادة بناء القوة الفرنسية، واستعادة المبادرة، ثم فرض تسوية سياسية من موقع القوة.
اعتمدت الخطة العسكرية الفرنسية في ديان بيان فو على أربعة عناصر , هي :-
اولا . إنشاء قاعدة عسكرية محصنة تمنع تقدم قوات الفيت منه نحو لاوس
ثانيا . استدراج القوات الفيتنامية إلى معركة تقليدية بدل استمرار حرب العصابات.
ثالثا . استخدام التفوق الجوي والمدفعي الفرنسي لتدمير القوات المهاجمة.ثالثا
رابعا . تحقيق نصر عسكري مؤثر يقوّي الموقف الفرنسي في المفاوضات.
لكن الخطة افترضت أن الخصم سيقاتل وفق الشروط التي وضعتها فرنسا، وأن الإمداد الجوي سيظل قادرًا على تأمين الاسناد الى القاعدة الفرنسية وقد أخفقت هذه الافتراضات أمام قدرات قوات الفيت منه وتغير ظروف المعركة.
تسلسل أحداث المعركة
اولا – في شهر نوفمبر 1953, أنزلت فرنسا قوات مظلية في المنطقة وبدأت ببناء قاعدة محصنة تعتمد على الإمدادات الجوية.
ثانيا – في مارس 1954 , شنت قوات الفيت منه هجوما عنيفا بقصف مدفعي مكثف، ثم استولت على مواقع دفاعية مهمة، من بينها بيئاتريز وغابرييل، مما هدد سلامة القاعدة الفرنسية.
ثالثا – في أواخر شهر ابريل, تراجعت قدرة فرنسا على استخدام المطار وأصبح الإمداد يعتمد بدرجة متزايدة على الإسقاط الجوي , واقتربت الخنادق الفيتنامية تدريجيًا من المواقع الفرنسية.
رابعا – في مايو , شنت قوات الفيت منه هجومها الحاسم، وسقطت المواقع الدفاعية الفرنسية تباعًا، حتى استسلمت الحامية الفرنسية في 7 مايو 1954
العوامل التي ادت الى انتصار قوات الفيت منه الفيتنامية
اولا - قاد الجنرال فو نغوين جياب المعركة ضمن رؤية أوسع لا تقتصر على تدمير القوات الفرنسية، بل تستهدف تقويض قدرتها على مواصلة الحرب.
ثانيا - استطاعت قوات الفيت منه من تحويل المعركة من مواجهة تعتمد على التفوق الناري
الفرنسي الى حصار واستنزاف تتدريجي للقوات الفرنسية .
ثالثا - اعتمدت القوات الفيتنامية على شبكات نقل بشرية ولوجستية واسعة عبر التضاريس الصعبة .
رابعا - أدى تراجع فاعلية المطار وارتفاع مخاطر الطيران إلى تضييق الخيارات الفرنسية.
خامسا - عززت المساعدات الصينية، بما فيها الأسلحة والذخائر والمعدات، القدرة القتالية للفيت منه.
أين وقع الفشل الاستراتيجي الفرنسي
أن القيمة الأهم للمعركة من منظور دراسة الاستراتيجيات العسكرية والسياسية هو الخلط بين النصر التكتيكي والنصر الاستراتيجي.
اولا - اعتقدت القيادة الفرنسية أن تدمير قوة كبيرة لقوات الفيت منه الفيتنامية , في معركة حاسمة يمكن أن يغيّر مسار الحرب, لكنها لم تضمن أن يؤدي النجاح العسكري إلى تحقيق الهدف السياسي المتمثل في تثبيت النفوذ الفرنسي في فيتنام.
ثانيا - لم تكن قوات الفيت منه مجرد قوة عصابات عاجزة عن خوض حرب تقليدية, فقد طورت قوات الفيت منه , قدراتها في سلاح المدفعية والاسناد اللوجستي , حيث استطاعت فرض حصار طويل على القاعدة الفرنسية .
ثالثا - تحولت القاعدة الفرنسية , إلى قوة معزولة عندما تراجعت فاعلية المطار وصار إسقاط الإمدادات أكثر صعوبة بسبب حصار القوات الفيتنامية وهكذا أصبح عنصر القوة الفرنسي نقطة ضعف حاسمة.
رابعا - لم تكن المشكلة عسكرية فقط ,إذ افتقرت الحرب إلى هدف سياسي واضح وقابل للتحقيق يحظى بإجماع داخلي مستقر, وكان سقوط القاعدة صدمة نفسية وسياسية ضخمة سرّعت التوجه نحو إنهاء الحرب.
هل كانت ديان بيان فو , هزيمة عسكرية أم استراتيجية
سيستعرض الباحث وباختصار هزيمة فرنسا في معركة ديان بيان فو وفق مستويات ثلاث.
اولا - المستوى التكتيكي
خسرت القوات الفرنسية القاعدة واستسلمت الحامية
ثانيا - المستوى العملياتي
فشلت خطة تحويل القاعدة إلى موقع يستدرج قوات الخصم ويدمرها، وتحول الحصار إلى استنزاف للقوات الفرنسية
ثالثا - المستوى الاستراتيجي
تضررت قدرة فرنسا على مواصلة الحرب، وتراجعت مصداقية قدرتها على حسم الصراع عسكريًا، وتعزز موقع الفيت منه التفاوضي
النتائج السياسية للمعركة
أدى سقوط ديان بيان فو إلى تعزيز الضغط لإنهاء الحرب، وتزامن ذلك مع مؤتمر جنيف الذي انتهى إلى اتفاقات يوليو 1954 بشأن الهند الصينية وفيما يلي اهم النتائج.
اولا - تراجع الوجود الاستعماري الفرنسي في الهند الصينية وانتهاء الحرب الفرنسية الفيتنامية الأولى
ثانيا - تقسيم فيتنام مؤقتًا عند خط العرض 17، مع سيطرة قوات هو تشي منه على الشمال وبقاء الجنوب منفصلًا
ثالثا - انتقال الصراع تدريجيًا نحو المواجهة الأمريكية مع الشيوعية في جنوب شرق آسيا وتدخل اميركا في حرب في فيتنام .
رابعا - تحولت المعركة إلى رمز عالمي لقدرة حركة تحرر وطنية على هزيمة قوة استعمارية أكبر منها من حيث الموارد التقليدية
الدروس المستنبطة
اولا - لا يتحقق النصر الاستراتيجي بمجرد تدمير قوات العدو ، بل بتحقيق الغاية السياسية للحرب.
ثانيا - قد تكون المعركة انتصارًا عسكريًا حاسمًا لفرنسا ، لكنها لا تنهي الصراع تلقائيًا؛ بل قد تفتح مرحلة جديدة من الصراع والمواجهات.
ثالثا – ان الإرادة السياسية والقدرة على تحمل الخسائر عنصران حاسمان في الحروب الطويلة.
رابعا - لا يكفي التفوق العسكري في تحقيق النصر ,إذا كان تصميم المعركة وسياق ادارتها خاطئًا.
خامسا - لا يجوز افتراض أن العدو سيقاتل وفق القواعد التي يفرضها المهاجم.
الخاتمة
تعتبر معركة ( ديان بيان فو) مثال تاريخي على فشل الاستراتيجية الفرنسية في فيتنام .
عندما تُبنى الخطة على افتراضات خاطئة بشأن الخصم، وطبيعة الحرب، وطبيعة الارض التي يقاتل عليها وكذلك الوسائل اللازمة لتحقيق الهدف السياسي.
ان الدرس الأهم هو , ليس أن فرنسا خسرت معركة فحسب، بل أنها دخلت معركة كان يفترض أن تحل معضلتها الاستراتيجية، فانتهت إلى تعميقها وتسريع نهاية مشروعها الاستعماري في الهند الصينية.
ولياتي دور الولايات المتحدة الامريكية في حرب فيتنام التي انتهت بهزبمة امريكا بعد تكبدها اكثر من 55 الف قتيل.













