أخطر أنواع الفساد أن يتحول الحرام في ضمير الإنسان إلى حق

بقلم محمد ثامر الخزرجي تشرين1/أكتوير 18, 2026 105

محمد ثامر الخزرجي

إن أخطر ما يصيب المجتمع ليس انتشار الفساد وحده، بل أن يفقد الإنسان إحساسه بخطورة ما يفعل، فيتحول الخطأ في نظره إلى حق، والرشوة إلى ضرورة، والمحسوبية إلى خدمة للأقارب، والكذب إلى مجاملة، والغش إلى شطارة، واستغلال المنصب إلى مكافأة يستحقها صاحبه.

المشكلة ليست دائمًا في جهل الإنسان بالصواب، بل في قدرته على تبرير الخطأ كلما تعارض الصواب مع مصلحته.

في واقعنا العراقي، قد تجد من يلعن الفاسدين ثم يبحث عن واسطة لتجاوز حقوق الآخرين، ومن يرفض سرقة المال العام ثم يهمل ممتلكات الدولة، ومن يطالب بالعدالة ثم يشهد بغير الحق لإنقاذ قريب أو إرضاء صاحب نفوذ. لكل واحد منهم حكاية يبرر بها سلوكه: راتبي لا يكفي، والظروف أجبرتني، والجميع يفعل ذلك، والآخرون يسرقون أكثر مني!

وهكذا تتحول الأعذار إلى غطاء للفساد، وتصبح المصلحة الشخصية أقوى من الضمير.

والفساد ليس سرقة المال وحدها؛ إنه الموظف الذي يعطل مصالح الناس، والتاجر الذي يغش زبائنه، والمسؤول الذي يقدم غير الكفوء على المستحق، والمعلم الذي يتهاون في واجبه، وصاحب الشهادة الذي يزوّر الحقيقة، والإنسان الذي يدافع عن خطأ جماعته ويستنكره إذا صدر عن خصومه.

إنه أيضًا فساد التربية، عندما نطالب أبناءنا بالصدق ونمارس الكذب أمامهم، وفساد العلاقات، عندما نجعل القرابة أقوى من العدالة، وفساد الأخلاق، عندما نستخدم الدين والشعارات والمبادئ واجهةً اجتماعية، ثم نتجاوز مقتضياتها في تعاملنا مع الناس.

ولا يقل خطورة عن ذلك أن يصبح المال مقياسًا لقيمة الإنسان، والمنصب غايةً تبرر الوسائل، والنزاهة في نظر البعض سذاجةً تعطل المصالح. عندها يُلام الصادق لأنه لم يجامل، ويُحارب النزيه لأنه رفض المشاركة، ويُحترم صاحب النفوذ لا بسبب أخلاقه، بل بسبب ما يستطيع منحه للآخرين.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يواجهه كل واحد منا هو: لماذا أطالب الآخرين بالنزاهة، ثم أبحث لنفسي عن استثناء؟ ولماذا أرفض أن يأخذ غيري حقي بالواسطة، بينما أستخدم الواسطة لأخذ حق سواه؟

إن صعوبة الحياة قد تفسر بعض التصرفات، لكنها لا تمنحنا حق ظلم الآخرين. وفساد الآخرين لا يمنحنا رخصةً لنكون مثلهم، وانتشار الخطأ لا يحوله إلى صواب.

إصلاح الدولة يبدأ من إصلاح الإنسان لنفسه، لكنه لا يكتمل من دون مؤسسات عادلة وقوانين تُطبق على الجميع ومحاسبة لا تخضع للنفوذ. نحتاج إلى موظف يؤدي واجبه، ومسؤول يصون الأمانة، وتاجر يلتزم الصدق، ومواطن يحترم القانون، ومجتمع لا يصفق للفاسد لأنه قوي أو غني.

لا أحد معصوم من الخطأ، لكن الفرق الحقيقي يكمن في موقف الإنسان منه: هل يعترف به ويصلحه، أم يخترع له الأعذار ويصر عليه؟

لا تجعل حاجتك مبررًا لظلم غيرك، ولا تجعل قرابتك من شخص حصانةً لأخطائه، ولا تجعل غياب الرقابة دليلًا على أن ما تفعله مباح.

فالفساد لا ينتصر فقط عندما يأخذ الإنسان ما ليس له، بل ينتصر انتصارًا أخطر عندما يقنعه بأنه يستحق ما أخذه. والإصلاح يبدأ عندما يصبح ضمير الإنسان أقوى من مصلحته، والحق أغلى من مكسبه، والأمانة جزءًا من سلوكه، لا مجرد شعار يردده أمام الآخرين.

قيم الموضوع
(4 أصوات)

صحيفه الحدث

222.jpg

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه