الكاتبة: غفران عبد الرزاق سالم
قالوا: مَن زارَ الأقصى؟
فقلتُ: لا أدرِي.
قالوا: ومَنْ نَامَ في صَحْنِهِ؟ ومَنْ حَلَّلَ الدَّمَ؟ ومَنْ حَدَثَ مِثْلَ هذا الدَّنَسْ؟
فقلتُ: لا أدرِي.. لا أدرِي.. لا أدرِي!
أتسألُونَ القَتِيلَ عَنْ ذَبّاحِهِ؟
أمْ تَحْسَبُونَ أنَّ هذهِ الدَّمَاءَ التي سالَتْ على العَتَبَاتِ قَذِرَة؟
لاااا.. كَلاَّ وَرَبِّ المَسْرَى!
لَسْتُ أنا التي خَانَتْ، ولا هذا دَمِي المقْهُورُ الذي يُهَانُ.
هذا ليسَ دَنَسًا.. بَلْ هذا اسْتِشْهَادُ الأَرْضِ!
هذهِ الدَّمَاءُ التي سَالَ بها الحَجَرُ الصَّلْدُ..
ليستْ إثْمًا، ولا بَاطِلاً، ولا خَسَارَة.
إنَّها دِمَاءُ مَنْ قَالُوا: اللهُ أَكْبَرُ" والشَّمْسُ غَارِبَةٌ،
فأَشْرَقَتِ الشَّمْسُ مِنْ كُفُوفِهِمْ.
دِمَاءُ حَرَائِرَ وَأَطْفَالٍ،
أَرْوَاحُهُمْ أُفُقٌ، وَأَجْسَادُهُمْ لِلْمَدِينَةِ سُورْ.
طُهْرُهُمْ مِنْ طُهْرِ يُوسُفَ في الجُبِّ حِينَ نَجَا،
وَشَرَفُهُمْ مِنْ شَرَفِ مَرْيَمَ يَوْمَ قِيلَ لَهَا: "كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي المَهْدِ صَبِيًّا؟
سَرَقُوا المَدِينَةَ؟ نَعَمْ..
أَخَذُوا المَفَاتِيحَ، وَحَاصَرُوا الأَزِقَّةَ، وَقَطَعُوا الزَّيْتُونَ،
وَظَنُّوا أَنَّ الأَرْضَ تُسَجَّلُ فِي الطَّابُو لِمَنْ يَحْمِلُ البُنْدُقِيَّة!
وَسَهَوْا أَنَّ القُدْسَ لا تُهَجَّى بِأَبْجَدِيَّتِهِمْ،
وَأَنَّ المَسْجِدَ لا يَنْسَى عُمَّارَهُ،
وَأَنَّ الحِجَارَةَ، إِذَا طَالَ السُّكُوتُ، تَقُومُ لِتُصَلِّي!
دَعْهُمْ يَسْرِقُوا القُبَّةَ عَنِ المِئْذَنَة،
فَإِنَّ الصَّلاَةَ هُنَا لَيْسَتْ لِلْمَبْنَى.. بَلْ لِلْمَعْنَى.
والمَعْنَى: أَنَّ الغَاصِبَ بَاطِلٌ ولوْ مَلَكَ السَّمَاءَ،
وَأَنَّ الشَّهِيدَ حَيٌّ.. وَلَوْ أَوْدَعُوهُ التُّرَابَ!
فَافْرَحِي يَا مَدِينَةَ الأَنْبِيَاءِ،
فَمَا كَانَ دَمُكِ قَذِرًا يَوْمًا..
بَلْ كَانَ هُوَ المَاءُ الوَاحِدُ الصَالِحُ لِلوُضُوءِ فِي زَمَنِ الجَفَافْ!













