"سوالف رملة" حين تعبر الهوية الدينية أبواب واشنطن… المسلمون في قلب المعادلة الأمريكية

بقلم رملة عبدالمنعم البياتي تشرين2/نوفمبر 05, 2026 58

رملة عبدالمنعم البياتي

ثمة لحظات نشعر فيها بالاعتزاز قبل أن نبحث عن أسباب هذا الاعتزاز..
لحظات تلامس في داخلنا شيئاً أبعد من الخبر…وتوقظ شعوراً إنسانياً لا تحدّه الجغرافيا ولا تفصل بينه وبين العالم حدود. وربما كان هذا ما شعرت به وأنا أتابع نتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة وما حملته من حضور لافت لمرشحين مسلمين وصلوا إلى مواقع صناعة القرار في واحدة من أكثر الدول تأثيراً في العالم.

أكتب ذلك لا من زاوية الانحياز إلى دين في مواجهة دين..ولا من باب الاحتفاء بانتصار انتخابي على حساب آخر..وإنما من شعور امرأة عربية مسلمة تعرف جيداً ما تعنيه الهوية حين تصبح موضع سؤال وما يعنيه أن يحمل الإنسان اسمه وجذوره ومعتقده في عالم لا يكون الاختلاف فيه دائماً أمراً سهلاً.

ثمة مسافة طويلة بين أن تكون موجوداً في مجتمع ما…وأن تكون شريكاً في صياغة مستقبله.
وبين أن يُسمح لك بالعيش…وأن يُعترف بحقك في المشاركة والتأثير وصناعة القرار. وهذه المسافة تحديداً هي ما يجعل الحضور المسلم في الكونغرس الأمريكي حدثاً يستحق قراءة تتجاوز حدود السياسة وأرقام الانتخابات.

لم تكن أهمية ما جرى في وصول سبعة مسلمين على الأقل إلى الكونغرس…من بينهم عبد السيد الذي أصبح أول مسلم يفوز بعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي…بل في الدلالة التي يحملها هذا الوصول داخل مجتمع تتجاور فيه ثقافات وأديان وأصول مختلفة وتتنازع فيه أحياناً قيم الانفتاح مع مخاوف الهوية والانتماء.

إنها لحظة تطرح سؤالاً جوهرياً حول معنى المواطنة: هل يُقاس انتماء الإنسان إلى وطنه بما يتخلى عنه من جذوره…أم بما يقدمه لمجتمعه من عمل ومسؤولية ومشاركة؟

لطالما كان المسلمون في المجتمعات الغربية أمام اختبار غير معلن…يتجاوز في كثير من الأحيان كفاءتهم ومؤهلاتهم…ليصل إلى أسمائهم ومعتقداتهم وأصولهم.
وكأن على بعضهم أن يبذل جهداً مضاعفاً لإثبات أنه مواطن كامل الحقوق…وأن انتماءه الديني لا ينتقص من ولائه لوطنه وأن احتفاظه بخصوصيته الثقافية لا يعني رفضه للمجتمع الذي اختار أن يكون جزءاً منه.

ولذلك..فإن وصول المسلمين إلى مواقع القرار يحمل معنى يتجاوز الأشخاص الذين فازوا بمقاعدهم.
إنه يفتح نافذة أمام أجيال ولدت ونشأت في الغرب وربما عاشت طويلاً بين سؤالين:
كيف أنتمي إلى المكان الذي أعيش فيه ؟وكيف أحتفظ في الوقت نفسه بما ورثته من جذوري؟

إن الإجابة التي تقدمها هذه التجربة ليست أن على الإنسان أن يختار بين هويته ومستقبله…بل أن الاثنين يمكن أن يجتمعا دون تناقض. فالمواطنة لا تطلب من الإنسان أن يمحو ذاكرته والديمقراطية لا ينبغي أن تضع أمامه شرطاً ثقافياً أو دينياً كي تمنحه حق المشاركة.

لكن من الإنصاف أيضاً ألا نقرأ هذه النتائج باعتبارها إعلاناً عن انتهاء الإسلاموفوبيا أو تجاوز المجتمع الأمريكي لكل تناقضاته. فالتجارب الانتخابية..مهما حملت من دلالات إيجابية…لا تمحو بين ليلة وضحاها تاريخاً من الصور النمطية والتمييز ولا تعني أن الطريق أمام المسلمين أصبح خالياً من العقبات.

بل إن المفارقة تكمن في أن هذا الحضور السياسي تحقق في مناخ شهد سجالاً حاداً حول الهوية الإسلامية ومحاولات لتوظيف الدين في التشكيك ببعض المرشحين.
وهنا تصبح قيمة النتيجة أكثر ارتباطاً بحق الإنسان في أن يُقيّم على أساس أفكاره وبرنامجه ومواقفه …لا على أساس الأحكام المسبقة التي تُلصق به بسبب اسمه أو معتقده.

وفي هذا السياق…لا يمكن فصل المشهد عن الحرب على غزة….وما أحدثته من اهتزازات في الوعي السياسي والأخلاقي داخل الولايات المتحدة.
فقد كشفت الحرب عن فجوة مؤلمة بين القيم التي تتحدث عنها الديمقراطيات الغربية وبين الأسئلة التي تفرضها معاناة المدنيين وحقوق الشعوب في الحياة والحرية والكرامة.

لقد أصبحت القضية الفلسطينية اختباراً لمصداقية الخطاب السياسي ولم تعد مجرد قضية بعيدة تخص جغرافيا الشرق الأوسط. دخلت الجامعات والميادين والنقاشات البرلمانية وأثارت أسئلة حول حدود حرية التعبير ومسؤولية الحكومات ومعايير العدالة التي ينبغي ألا تتغير بتغير هوية الضحية.

ومن هنا تكتسب مشاركة أصوات مسلمة وعربية في المؤسسات السياسية أهمية إضافية…ليس لأنها مطالبة وحدها بالدفاع عن فلسطين…ولا لأن جميع أصحاب هذه الخلفيات يحملون المواقف ذاتها..وإنما لأن تنوع الأصوات داخل المؤسسات يمنح القضايا الإنسانية فرصة أوسع للوصول إلى النقاش العام.

ومع ذلك…فإنني لا أرى في وصول مسلم إلى موقع سياسي انتصاراً للإسلام بقدر ما أراه انتصاراً لحق الإنسان في ألا يُختزل في دينه. فالمسؤول المنتخب ليس ممثلاً لعقيدة فحسب…بل هو مسؤول أمام مواطنيه، أياً كانت معتقداتهم وأصولهم.
وتبقى قيمة حضوره مرتبطة بما يقدمه من عدالة وتشريع ومواقف تحمي مصالح الناس وحقوقهم.

فليس من العدل أن نطالب هؤلاء بأن يحملوا وحدهم آمال المسلمين في العالم أو أن نجعل من هويتهم معياراً للحكم على أدائهم. إنما ينبغي أن نمنحهم المساحة ذاتها من المساءلة التي نمنحها لأي مسؤول سياسي آخر وأن نقيس نجاحهم بما يتركونه من أثرلا بما يمثّلونه من رمزية.

وفي تقديري..فإن المعنى الأعمق لهذه الانتخابات يتجاوز واشنطن نفسها.
إنه يتعلق بتحول صورة الإنسان العربي والمسلم في المجال العام الغربي وبانتقاله من موقع يُناقش فيه الآخرون قضاياه ويتحدثون باسمه …إلى موقع يستطيع فيه أن يشارك بنفسه في صياغة المواقف والقرارات.

وهذا التحول وإن لم يكن كاملاً ..يستحق أن يُقرأ باعتباره جزءاً من حركة اجتماعية أوسع ..تتغير فيها الأجيال.. وتتعدد فيها مصادر التأثير…وتصبح فيها الهوية أكثر حضوراً بوصفها جزءاً من التنوع الإنساني..لا سبباً للإقصاء.

ولعل أكثر ما يلامس وجداني في هذا المشهد هو أنني أرى خلف كل اسم وصل إلى موقع القرار حكاية إنسان .. حكاية أسرة حملت حقائبها ذات يوم وغادرت أرضاً تعرفها إلى أرض لا تعرف عنها سوى ما تمنحه الأحلام من أمل.
أرى أبناء مهاجرين كبروا بين لغتين وثقافتين وحملوا من أوطان آبائهم ذاكرة..ومن أوطانهم الجديدة فرصة..ثم استطاعوا أن يجعلوا من الاثنين جسراً إلى المستقبل.

لكنهم عملوا…واجتهدوا…وفتحوا لأبنائهم أبواباً لم تكن مفتوحة أمامهم…وتركوا بصماتهم في الطب والعلم والفن والثقافة والاقتصاد والسياسة.
ومن بين هؤلاء من أصبح اسمه جزءاً من مؤسسات بلده الجديد…ومنهم من ظل يعمل بصمت…يصنع نجاحاً لا تصنعه العناوين…لكنه لا يقل قيمة أو أثراً.

إن الاعتزاز بهؤلاء لا يعني أن ننسى الأوطان التي غادروها…ولا أن نعتبر الاغتراب بديلاً عن الانتماء. فثمة وجع خاص يسكن من يبتعد عن أرضه…مهما اتسعت أمامه الأرض الجديدة.
لكن من الجميل أن يستطيع الإنسان أن يحمل وطنه في ذاكرته وأن يضيف إلى العالم الذي احتضنه شيئاً من ثقافته وعلمه وإنسانيته.

أنا أعتز بكل عربي استطاع أن يعبر حدود الغربة دون أن يفقد كرامته وأن يصنع لنفسه مكاناً بالعلم والعمل والنزاهة وأن يترك خلف اسمه أثراً يليق بأصله وتربيته وتاريخه.
أعتز بمن جعل من نجاحه جسراً بين ثقافتين…ومن اختلافه مساحة للتعارف لا سبباً للانقسام.

وفي النهاية…
لا أريد أن أرى في هذه الانتخابات انتصار هوية على أخرى..بل انتصاراً للإنسان حين يُمنح حقه في أن يكون كما هو وأن يشارك دون أن يتنكر لماضيه..وأن ينجح دون أن يعتذر عن جذوره.

فالأوطان التي تتسع لأبنائها المختلفين تصبح أكثر ثراءً…والإنسان الذي ينجح في غربته دون أن يفقد أصالته يظل مصدر فخر لوطنه…مهما ابتعدت به المسافات.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

222.jpg

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه