من راقب الناس ماذا سيجني؟
اميمة ابراهيم السامرائي
ثمة سلوكيات إنسانية تستحق التأمل .. ليس لغرابتها، بل لما قد تخفيه من دوافع نفسية واجتماعية يصعب فهمها أحيانا. ومن بينها انشغال بعض الأشخاص بتفاصيل حياة الآخرين، وكأن ما يجري في حياة غيرهم أكثر أهمية مما يجري في حياتهم .
وهنا يبرز تساؤل يستحق الوقوف عنده: ما الذي يجعل الإنسان شديد الانتباه إلى تفاصيل لا تعنيه؟ هل هو الفضول الذي يعد جزءا من الطبيعة البشرية؟ أم المقارنة الاجتماعية التي تدفع البعض إلى قياس ذواتهم بالآخرين؟ أم أن وراء هذا الاهتمام مشاعر خفية من الغيرة أو المنافسة أو عدم الرضا عن الذات؟
واللافت في طبيعة النفس البشرية أن الإنسان لا يرى الأشياء دائما كما هي، بل كما تسمح له خبراته وقيمه وتصوراته أن يراها, فقد يبدو الموقف الواحد طبيعيا في عين شخص، ومثيرا للريبة في عين آخر، لا لاختلاف الموقف ذاته، وإنما لاختلاف النظرة إليه. وهنا تتجلى الحكمة في قول الامام علي ((عليه السلام)): (كل يرى الناس بعين طبعه)، النظرة التي نحملها تجاه الآخرين قد تكون في كثير من الأحيان مرآة لما نحمله في داخلنا.
وتبدأ المشكلة حين يتجاوز الفضول حدوده الطبيعية، ويتحول إلى أحكام مسبقة وتأويلات قد لا تمت إلى الحقيقة بصلة, فاحترام خصوصية الآخرين ليس مجرد سلوك اجتماعي مهذب، بل انعكاس لوعي الإنسان ونضجه الأخلاقي. ولعل في المأثور القائل «من راقب الناس مات هما» ما يدعونا إلى تأمل أعمق في هذا السلوك فالانشغال المفرط بالآخرين قد يسلب الإنسان راحته الداخلية حين تصبح حياتهم ميدانا لمقارناته وظنونه فيغفل عما يستحق الاهتمام في حياته هو. إن النضج الإنساني لا يقاس بمقدار ما نعرفه عن الآخرين، بل بقدرتنا على احترام اختلافهم، والانشغال ببناء ذواتنا بدلا من استنزافها في تتبع غيرنا, وان الحياة أقصر من أن نقضيها في ظلال الآخرين، وأجمل من أن نختزلها في المقارنات والظنون. وربما كانت أصدق صورة للإنسان تلك التي ترسمها أخلاقه دون أن يدري.













