دروس من التاريخ: إيران بين عامي 1988 و 2026

بقلم د . نواف شاذل طاقة تشرين2/نوفمبر 05, 2026 28

دروس من التاريخ: إيران بين عامي 1988 و 2026

 

د . نواف شاذل طاقة

 

يرى العديد من المراقبين لما يجري بين الولايات المتحدة وإيران أنه من الصعب التكهن بما ستؤول إليه الأوضاع بين البلدين، وما إذا كانت الوساطات الدولية ستنجح في تحقيق السلام المنشود، أم أن الأزمة ستنتهي بحرب لا يمكن لأحد معرفة عواقبها.

إن استشراف نتائج أزمة معقدة كهذه كان، ولا يزال، موضع دراسة وتأمل لدى علماء العلاقات الدولية، الذين تعتمد إحدى مدارسهم البحثية على التاريخ، من خلال دراسة الأحداث والتطورات التاريخية ومحاولة استخلاص الدروس منها، لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.

وكان عالم الفلسفة والاجتماع عبد الرحمن بن خلدون، في القرن الرابع عشر الميلادي، من أوائل المفكرين الذين وضعوا أسساً علمية لهذا المنهج في دراسة التاريخ والمجتمعات. فهو لم يتنبأ بالمستقبل بمعنى معرفة الأحداث التي ستقع، وإنما حاول استشراف الاتجاهات المحتملة وفهم أسبابها، انطلاقاً من اعتقاده بأن بعض الآليات والعوامل التي تحكم حركة المجتمعات والدول قد تتكرر، دون أن يعني ذلك بالضرورة تكرار الأحداث نفسها.

من هذا المنطلق، أود أن أستعرض ما أورده الدبلوماسي الإيطالي جياندومينيكو بيكو في مذكراته، في كتابه «رجل من دون سلاح»، الصادر عام 1999، وتحديداً في فصله السادس المعنون «الحرب الإيرانية العراقية»، حيث يتناول تفاصيل الأحداث التي دفعت إيران إلى القبول المفاجئ بوقف إطلاق النار مع العراق في حرب السنوات الثماني الدامية، وذلك بعد عام كامل من رفضها قرار مجلس الأمن رقم 598 الصادر عام 1987.

يروي بيكو في مذكراته أنه فوجئ بزيارة غير مخطط لها قام بها وزير خارجية إيران آنذاك، علي ولايتي، في 20 تموز 1988. فبمجرد وصوله إلى نيويورك، تقدم ولايتي بطلب عاجل إلى الأمين العام للأمم المتحدة، بيريز دي كويلار، لإعلان وقف فوري لإطلاق النار في الحرب بين بلاده والعراق، محذراً إياه من أن أي تأخير في الإعلان عن وقف إطلاق النار سيؤدي إلى إراقة دماء إيرانية ستكون الأمم المتحدة مسؤولة عنها.

وفي معرض تفسيره للطبيعة الملحّة لهذا الطلب الإيراني المفاجئ، ينقل بيكو في الفصل المذكور (الصفحات 74-95) ما رواه له الدبلوماسي الأمريكي كاميرون هيوم، الذي كان مسؤولاً عن متابعة الحرب الإيرانية العراقية في البعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة في نيويورك. وقد أوضح له جملة من العوامل التي ربما دفعت إيران إلى القبول بالتسوية، من بينها عجز الجيش الإيراني عن تعويض الخسائر التي تكبدها خلال الهجوم الفاشل على البصرة في نهاية عام 1986، والتفوق العراقي في «حرب الناقلات»، والإحباط الذي أصاب إيران نتيجة حرب المدن، ونجاح الجيش العراقي في تدمير البحرية الإيرانية، والهزائم التي مني بها الجيش الإيراني في الفاو والشلامجة وحقل مجنون ومنطقة عيلام، فضلاً عن التفوق العراقي الكبير في الدبابات القتالية.

ويضيف بيكو، نقلاً عن الدبلوماسي الأمريكي المذكور، أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية خلصت إلى أن القيادة الإيرانية لم تكن تدرك فقط أنها تخسر الحرب، بل كانت تعلم أيضاً أن العراق قد يتمكن من احتلال أجزاء واسعة من أراضيها. وينقل عن مسؤولين أمريكيين أطلعوه على المستجدات في البعثة قوله: «كان الجيش العراقي على أهبة الاستعداد للتوغل مئات الكيلومترات داخل الأراضي الإيرانية»، مضيفاً أن الأمريكيين عرضوا خرائط توضح المسار المحتمل لهذا التوغل العراقي.

ويؤكد بيكو أنه «لم يكن لديه أي سبب للتشكيك في تقديرات الاستخبارات الأمريكية التي أشارت إلى أن غزواً عراقياً لإيران بات وشيكاً»، وأن مثل هذه الضربة قد تؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني. وعليه، يتساءل بيكو: «في مواجهة ضربة قد تكون قاتلة كهذه، ماذا كان سيفعل النظام الثوري بعد أن وُضع في الزاوية؟».

ويعقب بيكو بالقول إن الإيرانيين كانوا سيلجأون، على الأرجح، إلى «الرد بعنف عشوائي، مستخدمين السلاح الوحيد المتاح لهم، أي شن موجة من الإرهاب ضد الدول الغربية». ولهذا السبب، رأى بيكو أنه «لم يكن هناك خيار سوى السلام»، في إشارة إلى حرص الأمم المتحدة على تجنب انهيار النظام الإيراني وتفككه وما قد يترتب على ذلك من تداعيات.

ويشير بيكو بعد ذلك إلى الكلمة التي ألقاها الخميني، والتي وصف فيها قبوله بوقف الحرب بأنه بمثابة تجرّع «كأس السم». ثم يستطرد، معبّراً عن دهشته، في رواية تفاصيل المفاوضات التي استغرقت نحو ثلاثة أسابيع في نيويورك، والتي شهدت حضور وزير خارجية العراق طارق عزيز، وما اعترضها من عقبات ووساطات دولية. ويروي كيف وصلت المفاوضات في إحدى مراحلها إلى طريق مسدود، الأمر الذي اضطر طارق عزيز إلى العودة إلى بغداد للحصول على التفويض اللازم. وعندما طلب الأمين العام للأمم المتحدة من ولايتي أن يفعل الأمر ذاته ويعود إلى طهران للتشاور مع قيادته، اعتذر الأخير، موضحاً له بكل صراحة أن قيادته طلبت منه ألا يعود إلى طهران من دون التوصل إلى قرار بوقف إطلاق النار.

واللافت في ما تقدم هو ما خلص إليه مساعد الأمين العام للأمم المتحدة من أن وضع إيران في زاوية ضيقة لن يترك أمامها سوى خيار اللجوء إلى العنف والإرهاب ضد الدول الغربية التي لم تقف إلى جانبها. والأكثر لفتاً للانتباه، بل غرابة، أن الاستنتاج الذي توصل إليه ممثل الأمين العام للأمم المتحدة بشأن طبيعة الرد الإيراني المحتمل، وإمكانية لجوء طهران إلى العنف والإرهاب بوصفهما ملاذاً أخيراً، قبل نحو أربعين عاماً، يتكرر اليوم في خطاب إيراني معلن وصريح.

فقد حذّر محسن رضائي، الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن الإيراني، من أن بلاده سترد عسكرياً بشكل مدمر على أي هجوم يستهدفها في حال عدم تنفيذ شروطها للسلام. وكتب على منصة «إكس» بتاريخ 31 تشرين الاول 2026: «إذا جرى اتخاذ أي إجراء ضد البلاد، فسنوجه، وفقاً لتوجيهات المرشد للقوات المسلحة الصادرة اليوم، ضربات مدمرة إلى المعتدي باستخدام أسلحة جديدة». أما المرشد الأعلى، فقد هدد بدوره بـ«الرد الفوري والفعال على التهديدات من دون قيود جغرافية».

وهكذا نجد أنفسنا، بعد أقل من أربعين عاماً، أمام مشهد يعيد إلى الأذهان ما حدث عام 1988، ولكن في ظروف إقليمية ودولية مختلفة. فهل ستختار إيران مرة أخرى القبول بتسوية، كما فعلت آنذاك عندما تجرّع الخميني «كأس السم»، أم أنها ستذهب هذه المرة إلى مواجهة قد تكون عواقبها مدمرة؟

إننا أمام خيارين أحلاهما مرّ، فماذا ستفعل طهران؟ هل ننتظر تكرار ما حدث عام 1988، أم أننا أمام مسار مختلف قد يقود إلى ما يشبه الانتحار السياسي والعسكري؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

222.jpg

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه